أحمد حمزة
تنهال المصائب على غالبية أحياء مدينة دمشق، سواء تلك
المحررة والمهادنة، أو التي حولها نظام الأسد إلى ما يشبه السجن الكبير. وتتابع
المِحنُ كذلك على أجزاء واسعة من ريف العاصمة الذي يعيش حصاراً ومعارك مستمرة وقصفاً
جوياً ومدفعياً شبه يومي. فمؤخراً، انتشر في العاصمة وريفها مرض اليرقان، المعروف
بـ “التهاب الكبد الوبائي A” وهو فايروس ليس شديد الخطورة، لكنه شديد
العدوى سريع الانتشار، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى الوفاة.
سُجلت في العاصمة وريفها في الأسابيع الماضية مئات الإصابات،
إن لم يكن أكثر. كما وُثِقت بعض الوفيات نتيجة الفايروس. وفي حين حاولت وزارة
الصحة في حكومة النظام، التخفيف من خطورة الأمر لترفع عن نفسها الحرج، هوّلَ بعض
الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي من حجم الموضوع.
أعراض وأسباب
اليرقان هو مرض تتجلى أعراضه بـ “ارتفاع درجة حرارة
الجسم، مع وهن وتعب عام، إضافة لاصفرارٍ يصيب البشرة، ولاحقاً العينين، كما أنه يؤدي
لإفراز بولٍ داكن اللون”. وذلك كما قال الطبيب عامر لـ “صدى الشام”،
وهو مختص بالأمراض الهضمية، عاين بعض الحالات حديثاً أثناء عمله في واحد من أكبر
مشافي دمشق العامة. ويضيف الطبيب المختص “لليرقان عدة أنواع، والمنتشر الآن
هو التهاب الكبد الوبائي(أ)، الذي لا يعتبر مميتاً إلا في حال وصول الإصابة لمرحلة
فشل كبدي، وهو ما يُعرف بالالتهاب الصاعق الذي أدى لتسجيل وفيات”. كما أنه
يؤكد بأن أهم أسباب انتشار اليرقان هي “الأطعمة الملوثة في المطاعم والمحال التي
لا تعتني بالنظافة، إضافة لشرب المياه الملوثة”.
إذا كان من الصعوبة بمكان، الجزم في عدد الإصابات التي
تم تسجيلها في أحياء دمشق الخاضعة لسيطرة النظام، فمن المؤكد أنها بالمئات، وذلك
كما كَشَفَ د.عامر لـ “صدى الشام”، حيث قال: “عاينت بعض الإصابات،
إن كان من خلال عملي في المشفى أو إصابات أخرى لأشخاص من عائلتي، لكنني لا أستطيع
الجزم بعدد الإصابات في دمشق، ولو بشكل تقريبي”. ويضيف الطبيب المختص “سمعت
عن وجود إصابات كثيرة في بعض المناطق وتأكدت أنها بالعشرات. لكن جميع الحالات التي
عاينتها هي إصابات عادية تتماثل للشفاء وليست خطيرة”.
غير أن الفايروس، الذي لا يعتبر خطيراً، أدى لحدوث بعض
الوفيات في دمشق. وتحدثت بعض التقارير عن أنها بلغت أربع حالات، كان آخرها في
الثالث عشر من أذار الحالي، حيث توفي الطفل سامر جبري (15 سنة)، بالرغم من أنه كان
يتلقى العلاج في مشفى الشامي (وهو أرقى مشافي العاصمة وأفضلها تجهيزاً)، سوى أن
حالته تطورت على ما يبدو لفشل تام في الكبد. ويُعلقُ د.عامر على الموضوع “لا
بد أن الطفل سامر أصيب بالتهاب صاعق أدى إلى وفاته”. مرجحاً في نفس الوقت
تفاقم حالة الطفل نتيجة ضعف مناعته، “على ما يبدو أن سامر لديه ضعف في
المناعة وربما يعود ذلك لعوامل وراثية خاصة إذا علمنا أن شقيقة والدته توفيت قبله بأسابيع
جراء نفس المرض”.
الإصابة باليرقان، لكن د.عامر يستبعد هذا الأمر في دمشق تحديداً، “لو قلنا
بأن تلوث المياه هو سبب انتشار المرض حالياً، فمن المفروض أن تصل الإصابات لعشرات
الآلاف” مشيراً إلى أن بعض الحالات في أحياء دمشق الجنوبية، قد يكون تلوث
المياه مسبباً للإصابة فعلا، نظراً لظروف الحصار وقطع النظام لمياه الشرب عن تلك
المناطق.
هذا وزادت حالات انتشار اليرقان في تلك الأحياء خلال الشهرين
الماضيين، فقد ذكرت الهيئة الطبية العامة في جنوب العاصمة أن ثلاث ضحايا سقطوا في الجنوب،
بينهم طفل، جراء إصابتهم باليرقان. مشيرةً إلى أن الوفيات حدثت بعد تفاقم حالة المرضى،
في ظل ضعف الخدمات الطبية.
وحول عدد الإصابات في الأحياء الجنوبية، قالت الهيئة أن عدد
الحالات منذ بداية العام، بلغت نحو 600 حالة على الأقل، نتيجة نقص التغذية والمناعة
لدى المدنيين، وشح المياه الصالحة للشرب، واعتماد الفلاحين على مياه الصرف الصحي والمياه
الملوثة في سقاية المزروعات كبديل، إضافة لقلة النظافة العامة لدى الأهالي بسبب عدم
توفر المياه النظيفة.
تعيش وضعاً إنسانياً صعباً- ولو بدرجة أقل من الأحياء الجنوبية- فقد تم تسجيل
عشرات الحالات، دون أن تُسجل حتى ساعة إعداد هذا التحقيق أية حالة وفاة.
وتقول إحدى المصابات هناك في حديثها لـ “صدى
الشام” إنها أصيبت ببعض أعراض اليرقان، وأن عدة إفراد من أسرتها أصيبوا بالمرض
أيضاً. وعند سؤالها عن وضع الخدمات الطبية في الحي، أشارت إلى أنه يفتقر للمشافي “وفي
حال تدهورت حالة المريض يتم نقله لإحدى النقاط الطبية ضعيفة الإمكانيات وهناك يتم
فحصه وإجراء بعض التحليلات اللازمة”. مشيرةً إلى أن الكثير من المرضى لا
يمكنهم مغادرة الحي لتلقي العلاج خارجه، لأنهم مُعرضون للاعتقال من حواجز النظام،
التي تحيط ببرزة من كل جانب.
يؤكد الناشط الإعلامي، يوسف البستاني، من داخل الغوطة
الشرقية، لـ “صدى الشام” انتشار اليرقان في بعض بلدات الغوطة خلال
الأسابيع الماضية. مضيفاً ،”سُجلت الكثير من الإصابات ..، لكن لا إحصائية
دقيقة لعددها”. مؤكداً أن بلدات الغوطة تفتقر أساساً للخدمات الطبية المناسبة
لمواجهة مثل هذه الأمراض.
ويضيف البستاني، وهو عضو اتحاد تنسيقيات الثورة في دمشق
وريفها: “نتعرض في الغوطة لقصف شبه يومي، والوضع مأساوي وكارثي للغاية نتيجة
الحصار المستمر منذ نحو سنتين. وفي ظروف كهذه يصعب حصر عدد الإصابات، كما ويصعب
وجود العلاج المناسب. ربما حدثت وفيات نتيجة المرض دون أن يتم توثيقها”. كما
يؤكد البستاني، وهو المقيم في مدينة دوما: “من المعروف أن مريض اليرقان يحتاج
لراحة ولغذاء جيد، وخاصة بالسكريات، وهي مرتفعة الثمن نتيجة ندرة وجودها. فسعر
كيلو العسل مثلاً، يصل في الغوطة لأكثر من سبعة آلاف ليرة سورية”.
وبانتقال “صدى الشام” إلى منطقة أخرى في ريف
دمشق، فقد تم توثيق عشرات الحالات في بلدتي عين الفيجة ودير مقرن بوادي بردى، حيث أوضحت
الهيئة الطبية هناك أن سبب انتشار الفايروس يعود إلى تلوث خزانات المياه المغذية للقرية،
والتي لم تشهد أية عمليات تنظيف وتعقيم منذ ثلاث سنوات، في حين كانت تنظف وتعقم سابقاً
كل ستة أشهر. وكانت مصادر محلية في وادي بردى قد ذكرت في وقت سابق هذا الشهر، أن
مدارس “دير مقرن” أوقفت الدوام لعشرة أيام، نتيجة ارتفاع عدد الإصابات،
والخشية من انتشار الفايروس بشكل أوسع.
سورية بخير!
أشار وزير الصحة في حكومة النظام، نزار يازجي، في وقت
سابق هذا الشهر، إلى أن حالات التهاب الكبد الوبائي المسجلة في سورية حتى الآن، تعتبر
ضمن نسبة الانتشار الطبيعية للإصابة بالمرض على المستوى الوطني. ويضيف في تصريح
صحفي محاولاً التقليل من حجم الموضوع: “فرق الترصد والتقصي الوبائي في الوزارة
مستمرة في متابعة الإجراءات الهادفة إلى تطبيق الشروط الصحية التي من شأنها الحفاظ
على الصحة العامة، والوقاية من الأمراض، بما في ذلك التهابات الكبد وغيره من الأمراض
المعدية والسارية”.
مستمرة في تطبيق الإجراءات الصحية، ولا سيما فيما يخص كلورة مياه الشرب بشكل منتظم،
بهدف إيصال المياه الصالحة للشرب للمواطنين”. مشيراً وجود جولات ميدانية رقابية
على محال الأغذية والمطاعم.
ولاحقاً لهذا التصريح، نشرت وكالة الأنباء الرسمية (سانا)،
الأسبوع الماضي، صوراً لوزيري السياحة والصحة في حكومة الأسد بشر ونزار يازجي، أثناء
قيامهما بجولة تفقدية لبعض المطاعم في دمشق. أثارت الصور سخرية واسعة في مواقع التواصل
الاجتماعي، إذ أظهرت إحداها وزير الصحة أثناء الجولة وهو يشتم “سيخ
كباب” في محاولة بدت “جادةً” للحد من انتشار اليرقان!
من خلال نشر معلومات المرض بالوسائل الإعلامية ومن خلال ندوات ومحاضرات تعليمية وطبية”.
في حين لم تتحدث وسائل الإعلام المؤيدة عن أي من تلك الندوات والمحاضرات لأنها لم
تحدث، يحدد أسعد “أنّ الحالات التي سجلتها دمشق من مرض التهاب الكبد الوبائي
هي 800 إصابة فقط”.
لها منتصف أذار، أنها رصدت الكثير من الإصابات، وبشكل خاص بين الأطفال في المدارس،
وفي مراكز الإيواء المزدحمة التي يقطنها نازحون من مناطق ساخنة. ونقل التقرير، وجود
حالات إصابة تُسجل بشكل يومي، لكن الصحيفة بالنهاية تجنبت ذكر رقم محدد.
31 ألف إصابة في
سورية خلال السنة الماضية
في الوقت الذي تحاول حكومة النظام إظهار أن الأمر تحت
السيطرة، أكدت منظمة الصحة العالمية، في تقرير لها، أنها رصدت أكثر من 31 ألف إصابة
بمرض التهاب الكبد الوبائي (أ) في سورية خلال السنة الفائتة، فيما رصدت مئات
الإصابات خلال الأسابيع الأولى في 2015.
وأشارت المنظمة إلى أن هذه الأرقام والمؤشرات تدل على أن
شريحة واسعة جداً من الشعب السوري لم يعد بإمكانها الوصول إلى مياه صالحة للشرب. الأمر
الذي يسبب هذا التزايد في حالات اليرقان. واعتبرت أن قدوم فصلي الربيع والصيف المقبلين
يزيدان المخاوف لدى منظمة الصحة العالمية من انتشار مرض آخر وهو الكوليرا.
إجراءات بسيطة تقي شر اليرقان
الخاضعة لسيطرة الأسد، وكذلك أجزاء واسعة من الريف، تعيش حالة قلق نتيجة خطورة المرض
وزيادة انتشاره مؤخراً، في ظل تخبط عام بهذه المناطق نتيجة الظروف الراهنة في كل
منها.
يشار إلى أن فترة حضانة الفايروس تمتد من أسبوع إلى شهر،
قبل أن يعلم المريض أنه مصاب. وأن العدوى تتم عن طريق الجهاز الهضمي، وبالتالي فإن
الاتصال المباشر بالمريض أو استخدام أحد أدواته هي أهم ما ينقلها.
لكن هناك إجراءات احترازية يمكن أن تقلل كثيراً من مخاطر الإصابة بهذا المرض. وذلك
من خلال الحفاظ على النظافة الشخصية، وغسل اليدين بالماء والصابون باستمرار، وغسل الخضار
والفواكه بشكل جيد قبل تناولها، وأن يتم تسخين الطعام جيداً لخفض مخاطر تعرض الكبد
لأي عدوى. كما يُنصحُ بشرب الماء من مصادر صحية، أو غليه قبل الشرب في حال الشك
بمصدره.
للإجابة على هذا السؤال، عدنا للطبيب المختص عامر، حيث قال:
“من المؤكد أن وزارة الصحة تمتلك إحصائية دقيقة لعدد الإصابات غير أنها لا
تُعلنها”. لكنه أشار بالنهاية إلى أنه، وحسب اطلاعه على الأمر في العاصمة
تحديداً، يرى أن “وسائل التواصل الاجتماعي بالغت شيئاً ما.. ووزارة الصحة
أرادت تحجيم الموضوع. وإذا كان صحيحاً أن اليرقان منتشر بكثرة وتجاوز قليلاً مرحلة
الوضع الطبيعي، لكنه ايضاً لم يصل حد الوباء”. مشيراً في نهاية حديثه لـ “صدى
الشام” إلى أنه غير مطّلع بشكل كافٍ على مدى انتشار اليرقان في الريف أو في
الأحياء الجنوبية، لكنه يعتقد بشدة أن الوضع هناك أسوء، نتيجة الحصار المفروض على تلك
المناطق، وافتقارها للخدمات الطبية اللازمة. مع الأخذ بعين الاعتبار أن عدد
الإصابات في دمشق أكبر بكثير، نتيجة الكثافة السكانية العالية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث