الرئيسية / تحقيقات / متلازمة الضرورة والخوف العمل الإعلامي بين تحديات الدخل السوري ومغريات الخارج

متلازمة الضرورة والخوف العمل الإعلامي بين تحديات الدخل السوري ومغريات الخارج

حلب- مصطفى محمد

يتكئ الناشط الإعلامي، أبو يزن الحلبي
على جدار أثري يمتد تاريخه لمئات من السنين في حلب القديمة، ويتطلع بحسرة لكل
الدمار من حوله. ويتساءل ببرود تام، محاولاً إخفاء غضب عارم تشي به بعض تعاليم
وجهه: “وهل يستطيعون وهم في تركيا، التي اختارها أغلبيتهم مكانا لعملهم
الإعلامي، أن يوثقوا كل هذا الدمار الذي هنا؟، وهل هم قادرون على نقل معاناة
الأهالي هنا، وتصوير الموت الذي لا يكاد يفارق المدينة؟”.

ويضيف في حديثه لـ “صدى الشام”، “دراستي الحقوق، والإعلام ليس مهنتي، وفور
التحاقي بالثورة لم أجد صحفيين على الأرض، إلى أن وجدت في مقر كتيبتنا العسكرية،
كاميرا متواضعة تركها إعلامي شهيد. ومن هنا بدأت الحكاية التي لا أعرف كيف ومتى ستنتهي
فصولها”.

يتابع متجهاً ببطء إلى المكتب الإعلامي، الذي تعاون على تأسيسه مع نشطاء
وشهداء أيضاً، “ربما أقرر ذات يوم التوجه إلى تركيا، لكنني حتماً لن أعمل في
المجال الإعلامي. وسوف أبحث عن عمل يناسبني، لأن الإعلام الحقيقي هو الإعلام على
الأرض، ولا تكتمل الصورة إلا عندما تكون داخل الحدث. ما فائدة أن أكون إعلامياً في
تركيا، أتمتع برغد العيش هناك والبلاد هنا تدمر”.

ويقول بطريقة لا تخلو من اللوم: “إذا نظرت إلى النشطاء هنا، ستجد
أنهم جميعاً لم يدرسوا الإعلام. بالمقابل نصادف يومياُ الكثير من الصحفيين الأجانب
في هذه المدينة. وسؤالي هنا كيف يرضى الصحفي السوري، بأن ينقل صحفي غريب عن هذا
البلد، صوراً لضحايا قد تجمعه بهم صلة قرابة أحياناً؟”.

ويرد على كل المبررات التي يختلقها الإعلامي لتركه لبلاده بالقول، “لا مبرر
لأحد أن يترك أرضه، وكل ما يحكى هو مبررات واهية. يكذب من يقول أنه يخدم ثورته
خارج البلاد، بل يكاد يكون أشد أنواع الكذب”.

بداية الحكاية “التشويل”

بدأ مسلسل الاختطاف والاعتقال للناشطين في المجال الإعلامي والإغاثي في
مدينة حلب قبيل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في المدينة بفترة
وجيزة. وكانت عملية اختطاف الناشطة في المجال الإعلامي والطبي “سميرة الكيالي”،
في ريف المدينة، الحادثة الأولى التي شهدتها المدينة. وانتهت هذه الحادثة بالعثور
على جثتها مقتولة ومرمية في مزارع قريبة من المدينة. ورغم أن القضاء التابع
للمعارضة أعلن عن محاكمة قاتليها، إلا أن الشكوك لا زالت تلف مصير الجهة التي قامت
باعتقالها.

وتوالت بعد هذه الحادثة عمليات الخطف والاعتقال، ومن بين الأسماء التي لا يعرف
مصيرها حتى الآن، الإعلامي “عبد الوهاب الملا”، الذي كان دائم التنبؤ
بمصيره “التشويل”.

شكلت هذه المضايقات التي تعرض لها النشطاء ردة فعل لدى أغلبهم، انتهت بقرار تركهم
البلاد، والتوجه إلى الأراضي التركية.

يقول أبو يزن الحلبي، “الكل هُدد بشكل مباشر أو غير مباشر، وبالتالي
منهم من قرر الرضوخ لهذه التهديدات، ومنهم من اختار أن يستمر في العمل داخل البلاد”.
وعلى الطرف المقابل، يختصر الناشط الإعلامي “جاد
الحلبي”، حكاية تركه للمدينة، وانتقاله إلى الأراضي التركية بالقول: “بعد
تصويري لأحد عمليات السطو المسلح التي تعرض لها أحد المحال التجارية في الأحياء
الشرقية، والتي قامت بها مجموعة تدعي تبعيتها للثوار، بدأت التهديدات تأتيني. لذلك
قررت ترك المدينة حفاظاً على حياتي”.

ويضيف، وهو الذي انخرط في فريق عمل تطوعي فوق
الأراضي التركية لمساعدة النازحين في المخيمات السورية، “عملنا كناشطين إعلامين
يحتم علينا
مسؤولية نقل كل الأحداث، وبغض النظر عن الجهة التي ترتكبها. ولذلك لم
أعد قادراً على نقل كل الحقائق التي أراها، أو لا أود رؤيتها، خوفاً من الاعتقال
الذي انتهى بقتل كثيرين من قبلي”.

ويوضح الحلبي: “حتى هنا، أخاف من نشر الحقائق التي وثقتها بالصور
والأدلة، لأني أحلم بالعودة إلى المدينة التي أعشقها، وأخشى أن أكون بنشري لهذه
الحقائق، قد قطعت آخر الطرق الموصلة إليها”. ويستطرد، وهو في حيرة من أمره، “لم
نلتمس الخلاص هنا، أو هناك. في الداخل نتقاضى راتباً ضعيفاً من الشبكات الإخبارية
التي كنا نعمل معها، وهنا نتهم بأننا تركنا الوطن”.

الثورة هي المعيار

“أقدم للثورة السورية هنا في تركيا، أكثر
مما كنت أقدمه في الداخل. فأنا على تواصل دائم لأن الكهرباء والاتصالات متوفرة على
مدار اليوم. أما هناك، فقد تمر أيام بدون أن تستطيع التواصل مع أحد”. هكذا
بدأ الناشط الإعلامي عباس قباني، حديثه لـ “صدى الشام”. وأضاف، وهو الذي
يعمل في منظمة دولية تعنى بحقوق الإنسان حالياً، “لكل منا ظروفه الخاصة التي
تحتم عليه مكان الإقامة. والناشط الإعلامي واحد من هذا الشعب الذي توزع على كل
بلدان العالم. وأشدد هنا على أن المعيار هو العمل للثورة فقط”.

ويرى قباني، أن الخبرة الإعلامية والحقوقية التي
اكتسبها في تركيا لم تتحقق إلا عندما غادر مدينة حلب. ويوضح قائلاً: “الإعلامي
المتواجد في الداخل غير قادر على تطوير مهارته التي يجب على كل عامل في المجال
الإعلامي أن يطورها. وهو عبارة عن أداة لنقل الكلمة والصورة فقط، ويفتقد إلى كثير
من المهارات. وهذا تقصير واضح من المؤسسات الإعلامية”. ويردف “الرؤية
قاصرة في الداخل. ويأتي هذا القصور من تعاملك مع واقع محدد مليء بالقصف والموت فقط.
ولربما لا يتمتع أي ناشط بالحرية. لذلك يحاول الكثير من الناشطين توطيد علاقتهم
بفصيل عسكري يؤمن لهم الحماية وحرية الحركة في المناطق التي يسيطر عليها هذا
الفصيل أو ذاك”.

ورشات إعلامية بأسماء مكررة

لن أذكر أسماء محددة، لكنني سأكتفي بالتنويه إلى
حادثة محددة. فأنا أعرف شخصاً يعمل في المجال الإعلامي، وهذا الشخص، الذي لن أفصح
عن اسمه، يعرفه الجميع. وهو مشهور بتحطميه الرقم القياسي لعدد الورشات الإعلامية
التي حضرها، رغم أن حاجة نشطاء الداخل إلى من يعلمهم كلمة فقط”. هذا ما قاله،
لـ “صدى الشام”، صحفي سوري طلب عدم الكشف عن اسمه.

ويحتم بالقول، لا جدوى من ورشات التدريب التي تقيمها
المنظمات المهتمة بالشأن الإعلامي لطالما أن من يستحق حضورها لا يسمع بها. وجميع
مؤسسات الإعلام الثورية، أو المعارضة صارت تلتقط أخبارها من وكالات عالمية. وهذا
دليل على عدم تأهليها لمن يفترض أن يكونوا مراسلين لها في الداخل.

أما عن المردود المادي الذي يتقاضاه من يعمل في
الخارج، فهو برأي نفس الصحفي، مجحف تماماً بحق إعلامي الداخل، ولا مجال للمقارنة.
الأمر الذي يزيد الأمور تعقيداً، وفق تقديره.

عام أسود..

نشرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريرا وثقت فيه
الانتهاكات المرتكبة بحق الصحفيين في عام 2014، وقد حملت النظام السوري مسؤولية
معظم هذه الانتهاكات التي تضمنت مقتل 17 صحفيا،كما اعتبر رئيس الشبكة فضل
عبد الغني أن سوريا باتت تخلو تقريبا من العمل الصحفي الاحترافي بسبب التضييق
والانتهاكات.

وتحت عنوان “حصاد العمل الصحفي في سوريا 2014-عام
أسود”، أشار التقريرإلى أنسوريا تعد اليوم من أخطر دول العالم
فيما يتعلق بعمل الصحفيين، وأن وتيرة العنف ضدهم تزداد وسط إفلات تام من العقاب،
إذ لم يعد الأمر يقتصر على التضييق عليهم وملاحقتهم وقتلهم، بلوصل إلى استخدامهم
ورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية ومادية عبر الخطف والابتزاز.

وأكد التقرير-الذي تلقت صدى الشام نسخة منه –
أنقوات النظامما زالت تستحوذ على النصيب الأكبر من حيث عدد
ونوع الانتهاكات المرتكبة بحق الصحفيين، بالرغم من تورط مجموعات مسلحة في
الانتهاكات منذ منتصف عام 2012.

وجاء في التقرير أن أكثر من 17 صحفياً قتلوا خلال عام
2014 في سوريا،عشرة منهم على يد قوات النظام، وأربعة على يدتنظيم الدولة الإسلامية، كما قتل اثنان منهم على يد فصائل
المعارضة المسلحة، في حين قتل صحفي على يد مجموعة مجهولة.

وسجل التقرير أكثر من 43 حالة تتراوح بين الاعتقال
والخطف، ثمانية منها على يد القوات الحكومية، حيث أفرج عن ستة وما يزال مصير اثنين
مجهولا.

وقد حمّل التقرير القوات الكردية مسؤولية ثماني حالات
خطف واعتقال، مشيرا إلى أنه قد أُفرج عنهم لاحقا. أما تنظيم الدولة وتنظيمات
مشابهة فاختطفت أكثر من عشرين صحفياً، ولا يزال مصير ستة منهم مجهولا، كما تم
توثيق حالتي خطف من قبل جبهة النصرة، وما يزال مصير أحدهما مجهولا.

البلد الأكثر فتكاً
بالصحفيين

نشرت منظمة “مراسلون بلا حدود”
تقريرها السنوي لعام 2014، المتضمن الانتهاكات الممارسة بحق الصحفيين حول العالم،
وجاءت “سوريا” من أول البلدان الخمسة الأكثر فتكاً بالصحفيين.

إذ تحدث التقرير عنقتل 66 صحافياً محترفاً
أثناء تأدية عمله، خلال العام 2014 في تراجع طفيف عن العام السابق، مرسخاً
“سوريا” كأخطر بلد للعاملين في مجال الصحافة، والمنطقة الأكثر دموية على
مدار عاميين متتالين.

كما عرض الانتهاكات الأكثر “وحشية”
ونالتها سورية أيضاً، بحادثة مقتل الصحفي الأمريكيجيمس
فولي”40″ عاماً، مراسل الموقع الإخباري “غلوبلبوست”
ووكالة “فرانس برس”، الذي قتل على يد تنظيم الدولة الإسلامية، المسماة ب
“داعش”، والتي عرضت مقطعاً مصوراً يظهر لحظة قطع رأسه، يوم 19 آب ،2014
بهدف الضغط على حكومة الولايات المتحدة، وهددت خلاله بمصير مشابه لزميله
“ستيفن سوتلوف”، ونفذت تهديدها بعد أسبوعين بذات طريقة الإعدام.

وبحسب إحصائيات التقرير أن العام الحالي 2014،
شهد زيادة حادة في أعداد الصحفيين المخطوفينحول العالم،ممن أُفرج عنهم
أو الذين قُتلوا أو أولئك الذين مازالوا في عداد الرهائن، وفسر هذه
الزيادةمن خلال الهجوم الذي يشنه تنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة منذ
شهور، إضافة إلى الوضع الأمني المتدهور المتمثل بتواصل دائرة النزاع المسلح بين
مختلف الفصائل.

“ففي عام2014،خُطف119صحفياً محترفاً
في مختلف أنحاء العالم، مقابل87 العام الماضي، وتركزت عمليات احتجاز الرهائن بشكل
خاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”.

بينمانالت”ليبيا” المرتبة
الأولى في حوادث خطف الصحفيين، إذ شهدت29حالة، تلتها سوريا، التي اختُطف
فيها27صحفياً خلال الأشهر الماضية، بينما وصل العدد إلى عشرين في
العراق،وأكد التقرير أن الصحفيين المحلين، هم أكثر المتضررين من عمليات
الخطف، إذ يمثلون ما يقارب90٪ من مجموع المختطفين. “ففي سوريا، مثلاً،
لا تزال الجماعات المسلحة تحتجز22صحفياً، من بينهم16سورياً، أما في العراق، فإن
جميع الرهائن الثمانية الحاليين يُعدون من أبناء بلاد الرافدين”.

الأراضي الخاضعة لسيطرة الدولة الإسلامية
والممتدة بين سوريا والعراق،كانت من أوائل المناطق الأكثر خطراً على حياة
الصحفيين للعام 2014، حيث جاء فيه :” في المناطق المحاصرة بكل من العراق
وسوريا، ينتهج تنظيم الدولة “داعش” سياسة إعلامية قائمة على الدكتاتورية
والدموية، حيث يتلقى الصحفيون تهديدات شخصية كما يتعرضون للمطاردة والخطف والقتل،
مما ترتب عنه ما يسمى بظاهرة “الثقوب السوداء على المستوى الإعلامي”،
كما هو الحال مثلاً في محافظة الموصل (شمال غرب بغداد)، حيث فر معظم الصحفيين
خوفاً من الاضطهاد والانتقام. وفي محافظة دير الزور السورية، حددت الدولة
الإسلامية 11 قاعدة تحكم عمل الصحفيين الراغبين في تغطية أنشطتها، حيث تشمل قائمة
القواعد تلك مبايعة الخليفة أبو بكر البغدادي”.

وتابع التقرير عن الصحفيين السجناء حول العالم،
الذين وصل عددهم حتى تاريخ 8 كانون الأول 2014، إلى 178صحفي قابع وراء
القضبان، بسبب الأنشطة المهنية وقال:” إن هذا هو نفس عدد الصحفيين المواطنين
المحتجزين في السجون. لكن هناك اختلاف بين الدول الأكثر قمعاً في معاملة
الإعلاميين المحترفين منهم والهواة، حيث تتصدر الصين القائمة في كلتا الفئتين بسجل
يبلغ 17٪ من الصحفيين المحترفين السجناء و44٪ من الصحفيين المواطنين المعتقلين، ثم
تليها كل من إريتريا وإيران وسوريا في ترتيب أكبر سجون للصحفيين في العالم، على
غرار تصنيف عام 2013، بينما انضمت إليها مصر (المركز الرابع) في ظل النظام
الاستبدادي بقيادة السيسي، حيث يقبع في سجون أرض الكنانة 9٪ من الصحفيين
المحتجزين”.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *