عبد القادر عبد اللي/
منذ اليوم الأول للانقلاب العسكري الفاشل في تركيا والمؤشرات على ضلوع الولايات المتحدة الأمريكية بهذه العملية تتزايد. ففي اللحظات الأولى أطلق السفير الأمريكي في أنقرة اسم “انتفاضة” على الانقلاب، وقال الناطق باسم الخارجية الأمريكية بأن بلاده “تراقب عن كثب” في بداية الانقلاب، وبعد فشله باركت الإدارة الأمريكية للشرعية، ولكنها تخوفت من الإجراءات التي قد تتم.
بالمقابل حرصت القيادات السياسية التركية على عدم اتهام الولايات المتحدة بشكل مباشر، وتركت الأمر للصحافة الموالية لها. ولكن مدير المخابرات الأمريكية جيمس كلابر قال: إن عملية التطهير التي تقوم بها تركيا للجيش هناك بعد محاولة الانقلاب الفاشلة تعرقل التعاون في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة. وهنا أول إشارة على العلاقة الوطيدة بين الانقلابيين الأتراك والمخابرات الأمريكية.
ولكن الجنرال الأمريكي جوزيف فوتيل كان أكثر صراحة ووضوحاً في هذا المجال، فقد قال: “الجنرالات القادة من أصدقائنا في الجيش التركي هم الآن في السجن”، وقد ترجمت صحيفة تركية عبارة الجنرال فوتيل ترجمة إبداعية، فقالت: “جوزيف فوتيل: رجالنا في السجن”..
نعم، رجال الولايات المتحدة الأمريكية الذين في الجيش التركي هم في السجن الآن، ولم يعد بالإمكان على المدى المنظور إعادتهم، وقد تم ترميم الجيش بسرعة، وبساطة بحسب نتائج اجتماع مجلس الشورى العسكري الأعلى في تركيا، فقد رُفِّع هذا العام ضعف العدد الذي كان يُرفع كل عام من عميد إلى لواء. وهكذا سُدت أكبر ثغرة في الجيش على صعيد الألوية.
ولكن اسم جوزيف فوتيل لا بد وأن يُذكّر بالقضية السورية، فهو قائد القوات المركزية الأمريكية، المشرف المباشر على مجريات الأحداث في سورية عموماً، والشمال السوري خصوصاً، وقد زار في مطلع هذا العام قواته المتمركزة في الشمال السوري وما أسماها القوات الحليفة لها…
في البداية، أي بعد انطلاق الاحتجاجات ضد النظام السوري، لم تفصح الولايات المتحدة عن موقفها الحقيقي من القضية السورية، وكانت تصرِّح شيئاً، وتفعل عكسه، وهكذا مكَّنت النظام السوري حتى خرق آخر الخطوط الحمر باستخدام السلاح الكيماوي، ومنذ ذلك اليوم بدأ الموقف الأمريكي يظهر بجلاء أكبر.
قضية أخرى ساهمت بفضح الموقف الأمريكي من النظام السوري، وهي المباحثات التركية الأمريكية حول المناطق الآمنة في الشمال السوري، فقد ظهرت الولايات المتحدة من خلال تلك الاجتماعات أنها كانت تمثل النظام السوري. وقد وضعت النقطة الأخيرة في هذه القضية بعد مؤتمر قمة مجموعة العشرين الذي عقد في مدينة أنطاليا التركية، وتصريحات الرئيس الأمريكي باراك أوباما…
المعروف عن الإدارات الأمريكية أنه ليس لها أصدقاء غير إسرائيل، وتنظر إلى الجميع أنهم مجرد أدوات لخدمة مصالحها، ولكن باراك أوباما يمكن أن يدخل التاريخ بأنه الرئيس الأمريكي الذي أثبت للعالم أن لديه صديقاً آخر غير إسرائيل، ويدافع عنه بكل ما أوتي من قوة.
لا يمكن القول إن نظام الأسد بحد ذاته هو صديقه الذي يدافع عنه، إنما الصديق المقصود هو الإمام الفقيه، فهو يسخِّر طاقات الولايات المتحدة الأمريكية وعلاقاتها كلها من أجل مصالح الحليف البارز حديثاً على الساحة الإمام الفقيه. ولا يأبه لارتكاب المجازر والتغيير الديمغرافي من أجل هذا الهدف، وحتى عندما يفشل حليفه بارتكاب هذه المجازر يرتكبها بنفسه.
يبدو أن تصريح الجنرال جوزيف فوتيل أغضب المسؤولين الأتراك كثيراً، فهم حاولوا مداراة “حليفهم” وغطوا على فشله آملين بتراجعه عن موقفه. بمعنى أنهم صمتوا أربعة عشر يوماً بعد الانقلاب عن الدور الأمريكي بالانقلاب العسكري الفاشل على أمل أن يتراجع “حليفهم” القديم عن موقفه.
في مهرجان خطابي أقيم في ثكنة غول باشِ التي قصفت، وراح فيها عدد من الضحايا لعدم تأييدها الانقلاب، صب الرئيس التركي غضبه على الجنرال جوزيف فوتيل قائلاً: “اعرف حدودك! ومن أنت حتى تصرح تصريحات كهذه؟” نعم، ليس من اللياقة الدبلوماسية أن يرد رئيس جمهورية بلد على قائد عسكري في بلد حليف، ولكن السكين وصل إلى العظم على ما يبدو.
لقد ابتلعت تركيا كل السكاكين التي طعنتها بها الولايات المتحدة خلال الأزمة السورية، وقد تبين أنها ابتلعتها مكرهة لأن أيديها كانت مربّطة “برجال الجنرال جوزيف فوتيل” مؤسس اللعب في اللعبة الدموية السورية…
لقد حقق باراك أوباما لحليفه الجديد الولي الفقيه كل ما يحلم به، وبعد أشهر قليلة سيغادر البيت الأبيض تاركاً خلفه بحوراً من الدماء…
بعد ساعات تراجع الجنرال فوتيل عن تصريحه. وأكد على “استمرار” التحالف الأمريكي التركي، ونفى أن يكون له أي علاقة بالانقلاب… بمعنى آخر، المصادفة وحدها جعلت كل الانقلابيين من رجاله…
لا أحد يعرف إلى أي مدى ستتابع الولايات المتحدة بهذه السياسة. وبالمناسبة لم يعد تسليم فتح الله غولان لتركيا مؤثراً جداً، فالرجل بعد أن انتهى في تركيا، سيعود إلى حيث بدأ، أي سيعود خطيباً في مسجد، ولا فرق إن كان هذا المسجد غرفة في قصر بنسلفانيا أو حجرة في سجن تركي. أي أن تسليم الولايات المتحدة لغولان لن يكون بادرة حسن نية على تغيير بالسياسة الأمريكية تجاه تركيا…
السؤال الذي يحتاج إلى إجابة هو: هل تتخلى الولايات المتحدة الأمريكية عن تركيا من أجل الأسد، أي من أجل الولي الفقيه؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث