الرئيسية / رأي / نقد المقدس الديني ونقد الإستبداد
أحد مقاتلي الولة الأسلامية في العراق والشام (داعش)/ أنترنت

نقد المقدس الديني ونقد الإستبداد

مصطفى علوش _ صدى الشام/

مَن يُراقب المحرقةَ السورية منذ خمس سنوات ونيف، يعرف أنَّ المعارك العسكرية والقتالية على الأرض هي أيضًا ترجمةٌ للصراعات الفكرية، صراعٌ فكريٌّ بين استبداد مديدٍ وبشرٍ أرادوا كسرَ الاستبداد وتغييره، صراعٌ مركزُه سوريا أما امتداده فهو إقليميٌّ يصل إلى إيران ويعود منها مركَّزًا أيضًا في لحظاتٍ عبر دعم غير محدود للنظام السوري، ويمتد الصراع فيصل إلى موسكو وواشنطن.

في سوريا الأسد كان هناك 27 ألف جامع تُخرِّجُ كثيرًا من الدواعش، وحين كانت صرخات مئات الآلاف تعلو وتصيح “الله وأكبر” كان أصحابُ الرايات السود يتسللون إليها باطمئنانٍ، بينما كان النظام يزيد من جدران حمايته الشيعية، فحزب الله كان موجودًا عسكريًّا في سوريا منذ الأيام الأولى للثورة وإن كان وجوده من خلال أعداد قليلة في تلك الأيام.

في الحد السياسي يبدو الصراع ممتدًّا متخذًا أقسى أشكاله في الأعمال العسكرية، أما في العمق الفكري فيبدو أننا أمامَ وحلٍ هائلٍ، وحل فكري يحتاج إلى نقدٍ ونفضٍ وتقصٍّ وجرأة.

فداعش ليست فقط ذلك الشر الحقيقي المتمثل بحرق الضحايا، إنما هي في حقيقتها نصٌّ إسلاميٌّ ارتكز على آيات قرآنية يعدُّها التنظيم دستورَه الإلهي، نصٌّ مقدسٌّ يطبقه بشرٌ يئسوا من كلِّ شيءٍ، ومؤمنون إلى حدِّ الانتحار بهذا النص المقدس.

وفي موازاتِهم وضدِّهم أيضًا هناك الشيعة الذين تخندقُهم إيران في نواتها العسكرية والسياسية. هؤلاء الممتدون من طهران إلى حزب الله اللبناني، ومعه حزب الله السوري الذي خلقته إيران، هؤلاء يقاتلون شبيهَهم الإسلاميَّ من جهةِ النص المقدس، لكنه شبيهٌ نقيضٌ بالمعنى السياسي، وكلما احتدمَ القتالُ على الأرض عسكريًّا زاد الوحلُ الفكريُّ غموضًا وتعقيدًا ورعبًا، فهذه الأوحال الإسلامية لا بدَّ من نقدها بدءًا من النصِّ وليس انتهاء بالحديث الشريف، لا بدَّ من نقدِها؛ ليعودَ الدينُ يومًا ما محضَ عبادةٍ وتعاليمَ أخلاقيَّـةً، ليعودَ الدينُ الإلهي إلى بُعدِه الدنيوي، كما هي المسيحية الآن في الغرب.

أبدًا لا يمكننا نسيان النظام السوري المبني على الاستبداد المطلق والذي يسرقُ من كل الأديان ما يخدمه ويخدم بقاءَه واستمرارَه.
ونقدُ الاستبداد فكريًّا وتعريتُه هو عملية ملاصقة تمامًا لنقد الإسلام بوجهيه السني والشيعي.

نحتاج إذن الآن إلى ثورةٍ فكريَّةٍ تعيد الدينَ إلى بُعدِه الأخلاقي، وتنسفُ الاستبدادَ وتنظر إلى كلِّ شيءٍ بعين النقد.

وعندما نقول ذلك لا يمكننا نسيان دروس التاريخ الموجعة والقاسية، وأول ما نحتاجه من أدوات فكرية هو الشجاعة وتسمية كل شيء باسمه الحقيقي، شجاعةٌ بدايتُها منذ زمن الجابري وبو علي ياسين ويوسف سلامة والياس مرقص وياسين الحافظ.

فيما مضى من زمن، عُقِدَ في جامعة دمشق مؤتمرٌ عنوانُه “المقدس والمتغير في النصً القرآني” وأذكر أنَّ كلَّ المشاركين اتفقوا على عدم المساس بالنصِّ المقدس، والسماح بنقد المتغير وهو الحديث الشريف والفقه.

يومها رأيتُ فكرَ تنظيم القاعدة يملأ زوايا المؤتمر، فقد شارك فيه رجال الدين لا رجال الفكر.

نعم لا بدَّ من تشريح النص القرآني بعين مَن يريد بناء دولة لا إمارات إسلامية وخلافات، بعين مَن يريد بناء دولة حديثة لا مزرعة أسدية، ولا بد من تشريح الاستبداد بِعَـدِّه عائقًا أمام حركة التاريخ، هذا التاريخ الذي يقف الآن متفرِّجًا على أكبر مأساة إنسانية في العصر الحديث، ألا وهي المأساة السورية.

الدول يبنيها الفكر الحديث، يبنيها النقد العميق الذي يغسل كلَّ شيء في طريقه ولا يترك من أدوات سوى العدل والحرية والقانون وقبل كل هذه القيم الإنسان، الإنسان الذي يسحقه الآن الاستبدادُ الأمني والعسكري والديني، الإنسان الذي قابله نظام الأسد بشعار الحرق وتستمر داعش في تنفيذ شعار الأسد، بينما هو يكمل حرقه مع حلفائه.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *