الرئيسية / رأي / صحافة وصحفيون

صحافة وصحفيون

ثائر الزعزوع

قبل أربع سنوات كان استخدام مفردتي الصحافة أو
الصحفيين يشير بالضرورة إلى واحدة من حظائر النظام المفضلة، والتي كان يزج فيها كل
عام أصنافاً من أنصاف الموهوبين ومن المخبرين والمرتزقة ليتحولوا إلى صحفيين يمتهنون
مهنة الصحافة، ويصيروا فيما بعد أساتذة يقيمون ويقررون. واستولى النظام فعلياً على
مفاصل العمل الصحفي والإعلامي كلها، فجعل كل من يريد دخول هذا المجال مجبراً على
العبور عبر بوابته، فحول النقابة الجامعة للصحفيين أو ما يسمى باتحاد الصحفيين
فرعاً تابعاً لحزب البعث تدار الأمور فيها وفق العقلية الأمنية التي كانت تحكم
البلد بأكملها. فكان رئيس ما يسمى باتحاد الصحفيين يُعين وفق لوائح يعدها حزب
البعث الحاكم، فتولى رئاسة الاتحاد ولسنوات طويلة صابر فلحوط الذي كان مقرباً من
حافظ الأسد، وكان يسهب في الحديث عن المزايا الفنية والتعبوية للقائد البطل. وهو
واحد من الذين أوجدوا مصطلحات بعينها والتي تتغني بتلك المزايا وترفع الأسد إلى
مصاف الآلهة، وباتت تلك المصطلحات والأوصاف جزءاً لا يتجزأ من مسيرة الصحافة
السورية، فلا يمر يوم حتى تستخدم في الصحف والتلفزيون والإذاعة بسبب أو بدون سبب،
فقط لترسيخها. وكان صابر فلحوط يلقي محاضرات في الإعلام “العقائدي”، وهو
من كان يقرر لاحقاً من يمكن أن يدخل حظيرته المسماة اتحاد الصحفيين. وقد رقص صابر
فلحوط كما رقص سواه حول سيارة بشار الأسد حين استولى على الحكم خلفاً لوالده
الديكتاتور، وعاهد صابر فلحوط الولد الصغير الذي كان من عمر أولاده على أن يفديه
بالدم، بل وتحدث بإسهاب عن حكمة القائد بشار، الذي يمثل رمزاً لاستمرار المسيرة
التي بدأها القائد الخالد. وقد وضعت الصحف الحكومية الثلاث وفي أعلى صفحاتها مقولة
للقائد البطل ومقولة أخرى للزعيم الخالد. بعد صابر فلحوط جيء بإلياس مراد الذي لا
يعرف من تاريخه الصحفي شيء، وقد تم توجيه أعضاء الاتحاد وقتها بانتخابه واختياره،
حتى يصير رئيساً للصحفيين فيقود مسيرة الإصلاح التي بدأ يقودها بشار. وفعلاً فقد
واصل إلياس مراد ما بدأه معلمه صابر، فاجتهد، وهو الأمي في العمل الصحفي، في نحت
المسميات على القائد الضرورة، البطل، وتحولت كلماته هو الآخر إلى منهاج عمل صحفي
على الرغم من أن نائبه لم يكن يقيم له وزناً، وكان يستخف به، وخاصة عندما يبدأ
الحديث وهو يلوح بسبحته ويعبث بهاتفه المحمول. وقد أنتجت هذه الحالة من التدجين
أجيالاً من الصحفيين الذين لا يعلمون ما الذي يمكن أن تقوم به نقابة الصحفيين سوى
منح القروض، والمساعدة في الحصول على هاتف أرضي، ومن ثم المساعدة في الحصول على
سكن، طبعاً ضمن حدود رضى “المعلم” عن الأعضاء. وقد يستطيع الكثيرون منا
تذكر مواقف طريفة حدثت مع رئيس الصحفيين، والتي تبين من خلالها عدم معرفته بأوليات
العمل الصحفي والنقابي. فإن كان صابر فلحوط قد جاء من خلفية “ثقافية”
نوعاً ما، فهو بدأ حياته شاعراً، إلا أن إلياس مراد لم يُعرف عنه أي نشاط لا
إبداعي ولا سواه، فهو كان بعثياً تدرج في المناصب الحزبية، وكلنا يعلم كيف يمكن أن
يتدرج شخص في منظمة فاسدة مثل حزب البعث. هو مخبر من الطراز الفريد، حتى وصل إلى
رئاسة تحرير جريدة البعث. يعني “كوميديا” لم يشهدها بلد في العصر
الحديث.

وعندما اندلعت الثورة المباركة، كانت الصحافة
أحد أهم الأركان التي طالبت الثورة بتغييرها لأنها كانت ولا زالت تلعب دوراً لا يقل
عن دور القاتل، فهي تزور وتزيف وتكذب خدمةً لبشار الأسد الذي مُنح في وقت من
الأوقات بطاقة عضوية في اتحاد الصحفيين وبات الصحفي الأول تماماً كما كان أبوه.
فإذا كان بشار صحفياً أول فإن من ينتمي إلى اتحاده نفسه لا بد أن يشبهه أخلاقياً
وسلوكياً. وقد أنتجت الثورة عشرات المؤسسات الإعلامية التي كتب للكثير منها الفشل
والهبوط الأخلاقي لأنها أديرت بتلك العقلية نفسها. وقد تشكلت أيضاً تجمعات وأقيمت
ملتقيات ومؤتمرات ومنتديات، وكلها لم تختلف من حيث الممارسة والسلوك عما كان
سائداً. فلم يُنتج بديل حقيقي، اللهم إلا إذا استثنينا بعض التجارب من صحف وإذاعات
خاصة أسقطت أفعال التأليه والتفضيل وانتقلت إلى مرحلة التحطيم وهي المرحلة الأهم
في ثورتنا، أي تحطيم كل القوالب التي كانت سائدة. ولأن التجربة الصحفية الثورية لم
تتجاوز عامها الرابع، فإنه من المبكر وضعها تحت مطرقة وسندان النقد، وإن كانت قد
وضعت مرات عديدة، كما أنه من المبكر فقدان الأمل من أن تسفر مستقبلاً عن نتائج
معقولة، إذا ما زلنا في حالة ثورة وصراع من أجل خلق بديل لهذا النظام الاستبدادي
الذي أساء لكل ما في سوريا. فإن كانت سوريا رائدة في مجال العمل الصحفي، وقد قدمت
للصحافة العربية صحفاً مهمة وصحفيين كباراً إلا أن كل هذا كان قبل أن يستولي آل
الأسد على سوريا، لأن كل ما نتج في عهدهم هو من صناعتهم من ألفه إلى يائه.

لم نيأس من التغيير بعد، ولن نيأس من انتصار
الثورة أبداً، وسوف نكون قادرين على صناعة صحافتنا ونقاباتنا التي تمثلنا وتمثل
ثورتنا، لكن الطريق ما زال طويلاً.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *