الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / بين دولة الخلافة والإلحاد: حراك فكري يرث النشاط السلمي

بين دولة الخلافة والإلحاد: حراك فكري يرث النشاط السلمي

طريف العتيق

كان لازدياد رقعة المواجهات
المسلحة طولاً وعرضاً على امتداد الجغرافية السورية، بين كتائب الجيش الحر والقوات
النظامية، دورا
ً كبيراً في إحداث
تغييرات اجتماعية وسكانية واقتصادية، ستسهم جذريا في رسم خارطة البلاد المستقبلية.

لكن ما يجب التنبه
إليه هنا، هو ما أحدثته هذه الاشتباكات من ضمور تدريجي للنشاط السلمي بمختلف
أشكاله. فمع ارتفاع صوت الرصاص، وأزيز الطائرات، وجلجلة المدافع، لم يعد لحنجرة
المتظاهر صوتٌ مسموع، ولم يعد لإطاراته المشتعلة جدوى فعلية على أرض الميدان، هذا
الضمور دفع الكثير من الناشطين إلى الانكفاء في منازلهم، سواء في مناطقهم أو في
مناطق اللجوء التي قصدوها، تخففا من وطأة الحرب الثقيلة. وليس في هذا تباكيا على
النشاط السلمي وأيامه، بل محاولة لفهم ما أفرزه هذا الانكفاء المنزلي، الناتج عن
تمدد آلة الحرب، وتعطل الكثير من مفاصل الحياة اليومية.

تنامي حدّة
الاشتباكات المسلحة تزامن مع أدلجة معظم الكتائب والألوية المقاتلة، التي استفاقت
فجأة على جذرية “المقصد الإسلامي” في مجمل السياق السوري، سواء أكان هذا
المقصد يتجلى في تطبيق الشريعة مباشرة تحقيقاً لدولة الخلافة، أو السعي لأسلمة
المجتمع بدايةً (إعلاء كلمة لا إله إلا الله) وصولاً لتمكين الشريعة في مرحلة
لاحقة، كل ذلك كان على حساب “المقصد الشعبي” المتمثل في إسقاط النظام
والإطاحة بالأسد، كمنظومة ديكتاتورية فاسدة، استعبدت الشعب، وحرمته حقوقه الأساسية
في الحرية والكرامة لصالح نفوذها المطلق.

هذا التحول في
المقصد من الشعبي إلى الإسلامي رافقه استدعاء تلك الكتائب ومكاتبها الشرعية
والإعلامية، لتراث لم يألفه السوريون كثيرًا من قبل، فكانوا وجهاً لوجه أمام
بيانات وأدبيات ودروس وكتيبات، تبين المواقف “الشرعية”، وكيف يجب أن
نسلك في السياسة والدولة سلوكا يتفق مع “كتاب الله وسنة نبيه، وما أجمع عليه
السلف الصالح”، في المقابل لم يكن من السوريين عموما ونشطاء الحراك السلمي
خصوصا، والذين حبسوا في منازلهم لأوقات طويلة، إلا أن أعادوا نبش مسائل الخلافة والإمارة
والشريعة والحدود، وأشبعوها نقاشات وتحليلات على مختلف صفحات التواصل الاجتماعي،
ورغم ما قد يبدو من كون هذه النقاشات يغلب عليها طابع المهاترات والتخوين أو حتى
التكفير، فإنه لا ينبغي بنا أن نتوقع نقاشا عقلانيًا في مجتمع حكمه الاستبداد
لعقود طويلة من الزمن.

كما لن تكون نتيجة
هذه النقاشات غير المنتهية انتصارا منطقياً لأحد هذه الأطراف، أو تبيانا لحجة يذعن
لها الجميع، لكنها في المقابل تسهم في إحداث يقظة فكرية واسعة الامتداد في العموم،
وعميقة التركيز في بعض الأحيان، كما تسهم في توسيع المدارك والخروج من حالة الموات
الفكري الذي فرضه آل الأسد على المجتمع والناس.

ويمثل انشقاق تنظيم
القاعدة إلى شطرين وتمرد أحدهما (داعش) على التنظيم الأب خروجاً عن المألوف
الجهادي، لم يكن ليحصل لولا خصوصية السياق السوري الذي شهد حالة من “الأخذ
والرد” الفكري غير المسبوقة في تجارب جهادية أخرى، بالإضافة إلى اشتمال تجربة
الشطر الآخر من التنظيم (النصرة) على مراجعات فكرية عدة.

كما يمكن الانتباه
لحالة الحراك الفكري النشط لدى السوريين، عند النظر للضفة المقابلة تماماً للحالة
الإسلامية، وليس المقصود هنا الانتماءات العلمانية أو اليسارية، مما كان موجوداً
قبل الثورة، وإن بشكل مشلول، لكن عن ظاهرة يرفض الكثيرون الاعتراف بوجودها أو
بحجمها، وهي تنامي الحالة اللادينية أو الإلحادية بين الشبان، والتي تمثل تمرداً
جذرياً أعمق، وجرأة غير مسبوقة، في مجتمع محافظ، وما تستفزه هذه الظاهرة من
نقيضها، أي التيار العقلاني الديني، الذي لم يكن له كبير وجود أيضًا على الساحة
السورية من قبل، وهو تيار يعلي من صوت العقل ودوره في إعادة قراءة النصّ الديني،
قراءة معاصرة تنسجم ومعطيات القرن الحضارية.

وبين هذا وذاك، هناك التيار العلمي، الذي يقدّس المعرفة الإنسانية والبحث
العلمي، متجليا في عدد من المبادرات والتجمعات، كمشروع “مترجم” العربي،
حيث يشكل الشباب السوري النسبة الأكبر من شبكة مترجميه (حسب إحصائيات الموقع)، ما
يعبر عن تيار سوريّ جديد، آخذ في التشكل، يهتم بالتجربة والتحليل المخبري كمنهج في
التفكير والحياة.

إن المراقب الحيادي
للساحة السورية على الصعيد الفكري، يلحظ حالة اليقظة تلك دون حاجته لكثير نظر، وهي
حالة تشمل إعادة إحياء تيارات قديمة، وتشكيل تيارات جديدة، وغليان الساحة بشتى
الألوان الفكرية، من اليمين إلى اليسار، الأمر الذي سيتمخض لاحقا عن ثورة فكرية،
قد تكون حاملة لعصر نهضة، طال إليه التطلع.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *