العربي الجديد/
وبعد أن نجحت الثورة السورية سنة 2011، بإلغاء قانون الطوارئ، الذي استبدله النظام بعد أشهر معدودة بقانون مكافحة الإرهاب، المطابق للقانون القديم، وبعد أن شعر النظام بأنه يحتاج لبناء نسق فكري جديد، أوكل للدراما السورية بعضاً من مهام الإعلام الرسمي، فحاولت الدراما السورية كسر الصورة النمطية للمخابرات السورية بعدة وسائل، وهي:
إقحام شخصية الضابط النموذجي
برزت بعد سنة 2011 في الدراما التلفزيونية السورية، ملامح لشخصية جديدة تنتمي للمخابرات السورية، وهي شخصية الضابط النموذجي. لتقدم المسلسلات، التي تعطي مساحة درامية لعناصر المخابرات، خليطاً بين الصورة النمطية التقليدية المضحكة، وبين النماذج الجادة المثالية المنشغلة بمصلحة الوطن، وذلك من أجل تحسين صورة أجهزة الدولة وتشذيب مفهوم الوطنية. وذلك بدوره على مستوى الدراما التلفزيونية بشكل عام، فازدادت مساحة الحوارات الوطنية، التي لم تستطع أن تشكل عنصر جذب لمتابعيها، مثل مسلسل “أحمر” الذي أثرت فيه الحوارات الوطنية بين الضباط الشرفاء على إيقاع الحبكة البوليسية، والأسوأ من ذلك، أن الشخصية الجديدة لم تستطع كسر الصورة النمطية الراسخة بعقل المتلقي، بل بدت كاستثناء يشذ عن القاعدة دون أن يمتلك القدرة على تغيير الدلالة الراسخة لرجال الدولة في الدراما وعلى أرض الواقع.
تبرير جرائم النظام بالأخطاء الفردية
بعد أن كان رجال الدولة يتصرفون في الدراما السورية بميكانيكية بحتة، وينفذون الأوامر دون أن يكونوا مسؤولين عن الأضرار المترتبة عن أفعالهم، تتغير التوجيهات للكتاب هذه الفترة، لتعطي شخصيات رجال الدولة وأجهزة الاستخبارات مساحة أكبر، ليجعلوها شماعة يعلقون عليها أخطاء النظام وجرائمه. هذا بالضبط ما حدث في مسلسل “ولادة من الخاصرة” في جزئه الثاني، حيث أعادوا تمثيل قصة اندلاع الثورة وأحداث درعا، وحملوا المسؤولية كاملةً لضابط صغير في أحد فروع المخابرات بالمنطقة، إذ تعامل مع احتجاجات الشعب بطريقة وحشية، وتسبب بعدد كبير من الجرائم، بسبب مبادرته الشخصية التي لم ترضى عنها القيادات العليا في الدولة.
تغييب مشاهد التعذيب في السجون
في المواسم الأخيرة ازداد عدد المسلسلات التي تقوم حبكتها الرئيسية على المجرمين، وحاولت هذه المسلسلات أن تظهر أجهزة الدولة بصورة متمدنة، حيث يحاول الضباط في مسلسل “أحمر” أن يتأكدوا من أي دليل قبل الإقدام على الاعتقال أو التعذيب، وكذلك فإن مسلسل “عابرو الضباب” يغيب مشاهد الاعتقال والتعذيب، رغم أنه يركز طيلة الوقت على إظهار وحشية المجرم وأساليب تعذيب المختطفين. وبررت حالات الاختفاء بخلافات العصابات الشخصية، بعد أن كانت حالات الاختفاء في الماضي تعني الوقوع بأيدي السلطات الأمنية.
وعلى الرغم من كل هذه المحاولات الحثيثة لإظهار الصورة المتحضرة لأجهزة الدولة، إلا أن ذلك لم يحدث بسبب ارتباط الصورة النمطية بعقلية الممثلين الذين اختلفت أدوارهم وحافظوا على “الريتم”.
ورغم أن النظام حاول أن يؤكد على أهمية مسيرة الإصلاح الناجحة لهرمه عندما ألغي قانون الطوارئ، إلا أن هذا الحدث لم تتم ترجمته فنياً، ولم يستطع صنّاع الدراما إنكار الواقع لدرجة الطعن بوجود حالات الاعتقالات التعسفية. وتبقى التجربة الدرامية الوحيدة التي حاولت أن تتناول موضوع “قانون الطوارئ” بشكل درامي جاد، هي تجربة “ضيعة ضايعة” الجزء الثاني، حيث انتقد فريق العمل حالة الذعر المتمثلة بالعيش تحت قانون الطوارئ، في حلقة “زمور خطر”، التي يترك فيها هرم السلطة في الضيعة زمور الخطر يصدح في كل مكان، ويغط في نومٍ عميق، وتتعاقب الفصول وأبطال الضيعة محشورون في “إن الجاج” يفكرون بجلب طقم الكنبايات إلى ملجأهم لإيمانهم بأن الوضع سيستمر طويلاً. ولكن هذه التجربة تعود لفترة ما قبل الثورة، وتحديداً لسنة 2010 التي بدأت فيها بوادر التفكير خارج الصندوق.
في “الندم”.. شبيحة
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث