بدأ بشار الأسد حربه على الشعب السوري مخاطباً
رجال أمنه “لديكم فرصة تاريخية أن تكسبوا وتغتنوا، ولا أريد لأحد منكم أن يأتيني فقيراً يطلب فرصة للاغتناء
بعد القضاء على الثورة السورية”، وكانت أهم دوافعه لذلك القول:
1- توريط رجالاته بالقتل ونهب المال العام والخاص، وأغلبيتهم
من الطائفة العلوية، حتى لا يتركوه في لحظة ما وحيدا.
2-تغيير المعادلة المالية التجارية المعروفة تاريخياً في سوريا (حيث طبقة
أصحاب رؤوس المال من شريحة التجار والصناعيين في غالبيتهم المطلقة من البيئة
الدمشقية والحلبية السنية) إلى شريحة جديدة يرغب أن تكون من الطائفة العلوية
الشبيهة مع سيادته ورجالاته من أصحاب النعمة الحديثة، تكون بالمطلق موالية له ومستعدة
للمساومة على أي شيء مقابل استمرار نعمتها.
لقد حَملَ بشار الأسد، كغيره من أبناء الريف
المعدومين والفقراء تاريخياً، في لا شعورهم الجمعي مُركب نقص تاريخي اتجاه الطبقات
المنعمة. تبدى ذلك من خلال سلوك حافظ الأسد وسيطرته على مُقدرات الدولة والمجتمع بانقلابه
العسكري، بينما كانت دمشق تعيش زهوتها وربيعها السياسي في مرحلة ما بعد الاستقلال،
مرحلة تزاوجت فيها بعض قيم دولة الاستعمار الفرنسي في بناء المؤسسات الحديثة، من
برلمان وأحزاب سياسية، مع تقاليد تجارية للطبقة المنعمة من التجار والصناعيين في
دمشق وحلب، كانت في نمط حياتها وظروف معيشتها وسلوكها لا تتعارض مع الفكر الإسلامي
الوسطي المعتدل. وكانت مصالحها مرهونة بنبذ العنف وتحييد الدين عن التدخل في شؤون
المال والتجارة والمصالح. وهذا ما يفسر عدم ظهور هاجس السلطة لدى أفرادها، كما كان
ذلك لدى أفراد من الريف والطبقات الفقيرة المهشمة.
لقد تميزت مرحلة ما بعد الاستقلال بسيطرة
الإيديولوجيات والمرجعيات الما فوق وطنية من أحزاب قومية وشيوعية وإسلامية، كان
هاجسها الأول والأخير بناء الدولة العربية لدى البعثيين والالتحاق بالشيوعية
العالمية لدى الشيوعيين وبالأمة الإسلامية لدى الإسلاميين، مما خلق صراعات سياسية
وإيديولوجية، ليست من شأن سوريا الوطن والدولة.
هذه
القوى اعتبرت المؤسسات الحديثة الناشئة للتو، من برلمان وقضاء وشرطة ..الخ، مؤقتة
ومرحلية ولا تعنيها إلا بالقدر الذي يحقق أهدافها الما فوق وطنية، مما سهل للعسكر
الدخول على الخط وفرض مشاريعهم، وقد ترافق ذلك مع عزوف التجار وأصحاب رؤوس الأموال
والصناعيين عن المشاركة في الحياة السياسية واكتفائهم بموقف الحياد مادامت أعمالهم
ومصالحهم لم تتضرر، مما سهل صعود قيادات من أصول ريفية هيمنت على البلاد بانقلاب عسكري،
بإدارة وتخطيط وتنفيذ حافظ الأسد، وإطلاق رصاصة الرحمة على السياسة والحياة
البرلمانية والحزبية والصراعات الإيديولوجية لصالح طغمة همها الأول والأخير تثبيت
الحكم الأبدي للأسرة الحاكمة، تحت شعار القومية والممانعة والقضية الفلسطينية.
لقد تمت
خلال حكم الأسدين عمليات مصاهرة تاريخية بين المال الشامي والحلبي مع السلطة. يدفع
من خلالها التجار الجزية ويتقدمون بقسم الولاء والطاعة مقابل تأمين الحماية
والسماح بالعمل ومزاولة الأنشطة، ويترك الشأن العام للعسكر والطبقة القيادية من
الانتهازيين والوصوليين البعثيين حول رأس الهرم السياسي ضمن حلقات أفقية تتصارع فيما
بينها وتحتفظ بمسافة واحدة من رأس الهرم.
لقد فاجأت الثورة الأسد الابن بعد أن أعتقد أنه
وأسرته الحاكمة قد ملكوا سوريا بشعبها وأرضها وجوها فكانت ردة فعله عنيفة، وأطلق
شعار “الأسد أو نحرق البلد”. فلم يكتفِ بتدمير حاضر سوريا ومستقبلها بل ذهب
إلى ذاكرتها الجمعية، إلى تاريخها الحضاري الطويل. ودمر معالم مدينة حلب الأثرية،
التي تعتبر واحدة من أقدم المدن المأهولة في التاريخ، وصولاً إلى تدمير سوق حلب
التجاري الأثري لما له من رمزية في ازدهار التجارة والسياحة والصناعة في هذه
المدينة. وشمل الضرر والخطر ستة من المواقع الأثرية المسجلة في منظمة اليونسكو
العالمية.
نعم، لم يكتفِ الأسد بتدمير المدن والبنية
التحتية التي بُنيت بجهود السوريين في حقبة حكمه بل توجه لتدمير التاريخ من خلال الاعتداء
على الحجر لما له من رمزية في ذاكرة الشعوب، بما يحويه من عمل ويحتضنه من أرواح
بشر بتقاليدهم وعاداتهم وإنجازاتهم وتاريخ حضاراتهم.
هو نفسه
الاعتداء الذي تم من قبل داعش من سرق وحرق وتدمير الكنوز والأوابد التاريخية. وآخرها
تدمير تمثال الملك بانيبال، مؤسس أقدم مكتبة في التاريخ، وعلى أورنينا، مغنية
المعبد الأشوري وأقدم مغنية في التاريخ، بمشهد مأساوي يضعنا أمام تحدي فناء وزوال
كل وجودنا الفيزيائي والروحي.
نعم، لقد فعلَ عناصر داعش، الذي
لا يتآلف مع الفكر والثقافة والحضارة، باعتدائهم على تاريخنا ومخيلتنا الجمعية وعلى
كل ما يمكن أن يمت للحضارة بصلة ما بدأ بفعله النظام.
أليس هذا الشبل من ذاك الأسد
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث