ميسون شقير _ صدى الشام/
لا تدر وجهك إلينا يا حنظلة، فما عادت لنا ملامح تستقبلك.
خذ سخريتك الصادمة الصادقة واترك لنا لوحتنا الفارغة الا من المجزرة.
لقد حاولنا يا حنظلة أن ندير ظهرنا لخوفنا المتوحش فينا، والمتوحش علينا، وأن ندخل اللوحة مثلك كاملين إلا من نقصنا. حاولنا أن نمشي فيها باتجاه النهر، وكانت فاطمة دليلنا الأول إليك، لكننا لم نصل إلا لهذا العطش. فلا تلم دمنا على كل هذا الأسود.
هو نزف طويل طويل يا حنظلة، خيط دم يصل بين المجرات، وبين التاريخ والجغرافية، وبين يديك الموضعتين خلق ظهرك وخصر هذه الأرض.
حاولنا يا حنظلة أن نرشي الحياة بقاماتنا، علها فقط تمنحنا ظلالا إذا وقفنا، ونسينا يا حنظلة أن لا ظلال في القبور.
لقد حاولنا يا حنظلة الساكن فينا أن نموت مثلك، لنعيش مثلك، وورثت كفر نبل عن أصابعك ذكاءك اللاذع، وكان كل واحد فينا يدير وجهه للحقيقية وظهره لكل هذا العالم، وكنا نقول مثلك أن الطريق إلى اللوحة واضح تماما مثل الطريق إلى قلب العاشقة.
لا عاشقة لهذا القمر يا ناجي، لهذا القمر الذي يتمنى أن يدخل الزنازين في بلادي ولو لساعة واحدة، عله يضيء قلوبهم قبل الموت الذي يعري كل الآلهة، الموت تحت التعذيب.
هي الخيام يا حنظلة، حظ الفلسطيني والسوري الأوفر. هي الخيام التي صارت هي حدوننا من الشمال والغرب ومن الشرق والجنوب، فلا تخف علينا من الجهات ولا من نسيان الخارطة، بعد أن صاروا يرمون لنا الحياة مجففة وقاسية، لتناولها مع البرد والحصى.
هل تأخرنا كثيرا يا ناجي، هل تأخرنا بالوقوف، وتأخرنا أيضا بفهم هذا العالم، كل العالم، حين لم نعِ جيدا أننا نقاتل بوقفتنا هذه من قتلك، وأن من قتلك خلق لقاماتنا تلك الأصنام والتماثيل، وأنه أتقن تماما لعبة مسرح العرائس، وأنه كان على حنظلة أن يموت ألف موت.
في تاريخ استشهادك، نحيي نزوحك الأول من عين الحلوة، فالطريق إليها صار يمر من حلب، ونعدد لك المحطات باسم المجازر، والمجازر باسم المدن، والمدن باسم الأماكن المقفرة.
لا وردة في المجزرة…ولا أحد يبقى ليروي، لا أحد يبقى ليسمع، ولا أحد سيخبر تلك الدمية عن وعود الطفلة التي أكملت لها الطائرات حلمها وصعدت للسماء أسرع مما تخيلت. لا أحد.
حنظلة الآن يسكن في المسافة بين إقلاع الطائرات إلى السماء وإقلاع الأرواح إلى نفس السماء المعدنية الرصاصية المعلبة.
السماء المقبرة …ولا قبلة تختبئ على زاوية الإطار، فاللوحة الآن سوداء كاملة، ولم يعد هناك مكان في هذا العالم لنا، فاترك وصيتك على باب دمشق وأغلق وراءك باب المقبرة.
البحر يسيل من لوحة السوريين الآن يا ناجي ويًغرق حنظلة.
حنظلة ابن العشر سنوات لن يكبر كما قلت، هو هناك مرمي على شاطئ اللوحة والملح ثقيل على أحلامه. فاطمة غرقت أيضا يا ناجي، فارسم لوحتك الأخيرة على الرمل ولا تدعي الموت البسيط بطلقات مسدس كاتم للصوت، بل اعترف أنك من قبل أن تولد قد كنت إرهابيا، وأنك هجمت بجبينك على الرصاصة المسكينة وفجرتها وانفجرت.
لا تدر وجهك لنا يا حنظلة.
لا تصدق غير أصابعك يا ناجي.
لا تعترف فينا، لكن لا تعترف يموتك أيضا.
كي لا يكون الموت هو الناجي الوحيد من هذه المجزرة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث