عبدالقادر عبد اللي
أصبحت قصة السوريين مع من يُسمون أصدقاء الشعب السوري، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية مثل قصة الراعي الكذاب. كل فترة تسرّب الولايات المتحدة الأمريكية بأنها ستقدم دعماً عسكرياً للمعارضة السورية المسلحة. يتلقف هذه المادة الوصي الإيراني على سورية، ويقدمها لأنصاره دليلاً على أن من يحاربهم هم “خدم الاستكبار“، طبعاً لكي تكون خدمة الاستكبار شرعية يجب أن تحظى بفتوى من الإمام الفقيه، وقد أفتت هذه المرجعية بها لنفسها، وأخذتها احتكاراً لا يجوز لأحد أن يشاركها فيها. تنفي المعارضة السورية المسلحة هذه الأخبار، وبعد فترة تؤكد الولايات المتحدة أن الدعم في حدود معدات غير قتالية نافية هذا الأمر جملة وتفصيلاً. ويكون حينئذ “اللي ضرب ضرب، واللي هرب هرب“. هذا ما حدث في قضية تدريب المعارضة السورية المسلحة. فالأخبار الصحفية حددت المدربين والمتدربين والمكان والأسلحة التي يتدربون عليها، ثم جاء النفي، ثم التأكيد، ثم النفي، ثم…
هذه المرة ليس في الأمر تسريباً. فقد أعلنت وزارة الخارجية التركية بأن اتفاقاً تم توقيعه بين الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة بسفيرها في أنقرة، وتركيا ممثلة بمساعد وزير خارجيتها على “برنامج تدريب وتجهيز المعارضة السورية المسلحة بما في ذلك السلاح الثقيل لتقاتل داعش والنظام معاً“. وألح الصحفيون بالسؤال عما إذا كانت كلمة “النظام” ورادة في الاتفاق، فأوضح الناطق باسم الخارجية أكثر قائلاً: “نظام الأسد“.
بما أن القصة أصبحت كما قلنا في البداية مثلها مثل قصة الراعي الكذاب، لم يصدق أحدٌ، وسرعان ما هرع الصحفيون إلى وزير الخارجية التركي التي كان مشاركاً في نشاط تعريفي بمعرض الصادرات الدولي، وطرحوا عليه السؤال غير مصدقين، فأكد الأمر، وحدد بأن الاتفاق تم توقيعه قبل قليل في الساعة التاسعة مساء (19/ 2/ 2015)، وأكد الوزير ما قاله الناطق باسم الخارجية بأن المعارضة المسلحة ستقاتل “داعش” ونظام الأسد.
“الناشطون” السوريون صرخوا بصوت واحد كجوقة: “كذابين!” من حقهم، وكذلك الراعي الذي نزل إلى القرية مستنجداً بأهلها لأن الذئب هاجم قطيعهم لم يصدقه أحد. ولكن يبدو هذه المرة أن هناك متغيرات كثيرة. فتركيا طرحت شروطاً للانضمام إلى التحالف الدولي، ولم تُلب هذه الشروط بعد، ولكنها لم تُرفض أيضاً، وبند التدريب والتسليح هو أحد الشروط التركية، وهي التي صرّحت بالاتفاق، وأضافت على لسان وزير الخارجية: “حدد كل شيء بوضوح، وستأتيكم التفاصيل لاحقاً“. وهناك تقرير لجهة الخارجية الأمريكية الذي جاء فيه: “تركيا على حق بمطالبها المتعلقة بسورية“.
خلال الفترة الماضية كانت هناك تجربة عين العرب/ كوباني التي خاضتها قوات كردية محلية مع القوات الكردية القادمة من العراق وشارك فيها جزء من الجيش السوري الحر، وعلى الرغم من الدمار الهائل الذي أصاب المدينة، ولكن التجربة حققت نجاحاً على الصعيد العسكري. تتجلى التجربة بتسليح المقاتلين وفتح خطوط إمداد لهم مع إسناد عسكري جوي. أليس هذا ما حصل في عين العرب/ كوباني؟ أليس من الممكن أن تتكرر التجربة وتتطور في الشمال السوري؟
صحيح أن ألفي مقاتل هم الدفعة الأولى التي ستخضع للتدريب والتسليح لن تشكل فرقاً كبيراً، ويمكن أن تكون مجرد تجربة تخضع للامتحان، وفيما بعد يقرر ما إذا كانت التجربة ستُوسع أم لا، لأن الاتفاق بحسب الخارجية التركية يقول: “تدريب ألفي مقاتل في المرحلة الأولى، وتتكفل الولايات المتحدة بنفقات تدريبهم وتسليحهم كاملة!” وفي أخبار أخرى أعلن بأن الرقم المتفق عليه هو خمسة عشر ألف مقاتل.
الواقع والتجربة المرّة على مدى أربع سنوات توصل السوريين إلى ملخص مفاده: “لا تريد الولايات المتحدة أن يُهزم النظام، ولا تريده أن ينتصر أيضاً.” وكلمة النظام هنا رمزية لأن الأمر خرج من يد السوريين على الجانبين منذ زمن طويل، فإيران لا تريد أن تُهزم لأن هزيمتها أهم من برنامجها النووي، وهذا البرنامج مجرد أداة من أجل مشروعها الإمبراطوري الذي لم تعد تخفيه. لذلك ستقاتل حتى النهاية، وحتى إن لم يبق في سورية حجرٌ فوق حجر. لأن هزيمتها في سورية تعني نهاية مشروع الإمبراطورية الممتدة من البحر المتوسط غرباً إلى الصين شرقاً، ومن بحر العرب جنوباً إلى وسط الأناضول شمالاً.
تدريب وتسليح المعارضة السورية المسلحة هو خطوة على طريق توازن القوى. وهنا لابد من القول إن توازن القوى سلاح بأكثر من حد، يمكن أن يؤدي إلى مزيد من الدمار، ويمكن أن يؤدي إلى الحل السياسي الرومانسي الذي يتغنى فيه الجميع، ويمكن أن يؤدي إلى نتائج أخرى…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث