عمّار الأحمد
لم يحارب النظام داعش في الرقة ودير الزور ولا
النصرة في إدلب، بينما شن حرباً شرسةً مؤخراً على حلب ودرعا بصفة خاصة وعلى ريف
دمشق. في حلب ودرعا كانت قيادة المعارك لإيران وشاركت فيها ميليشيات شيعية مستقدمة
من إيران ولبنان وأفغانستان وسواها، ولكنه فشل. خساراته يتوالى الإعلان عنها. الجديد
هنا أن إيران هي من يقود المعارك، وتخسر كذلك. وهذا دلالته أن النظام انتهت قواته
الأساسية، ولم يتبق لديه، كقوى فاعلة، إلا الطيران والمدفعية وفيها يحارب، وأن
إيران لا تستطيع الزج بكامل حرسها الثوري، فهذا سيدفع تركيا للرد وربما سيصبح
الموقف في كل المنطقة أشدّ توتراً!
ولكن لماذا يَترك النظام داعش والنصرة وتشتد
المعارك ضد تلك الجبهات؟! لا بد من أن يُسأل هذا السؤال. طبعاً ستشارك النصرة
بينما لن يكون لداعش أي دور؛ هي تنظيم كلّ معاركه بل ووجوده يخدم النظام. تلك
الجبهات لا تقودها الجهاديات بل فصائل سورية محلية، وإيمانها بالدين ليس هو
مرجعيتها في معارضة النظام، وبالتالي هي قوى أقرب للشعبية والثائرة من أجل إسقاط
النظام، أي مشروعها ليس إسلامياً؛ وهذا بالضبط ما سعى النظام إلى اجتثاثه منذ الأيام
الأولى للثورة. فكل ما هو وطني وشعبي ومحلي ويريد إسقاطه وفقاً لأجندات وطنية يجب
إفناؤه. لم ينجح ولن ينجح، ففي الوقت الذي عمّ الكلام عن اكتساح النصرة لدرعا
وحلب، وأنها صارت حكراً لها، تبيّن أنّ ذلك كذب، وأن الفصائل المحلية قوية وهي من
يردع النظام ويخوض معارك التحرير ويهدده جدياً في الشمال والجنوب. طبعاً هناك قوى
إقليمية داعمة لهذه الفصائل، وهذا مفهوم تماماً، وأنّ هذا الدعم يريد، وكما العادة،
إخضاع الفصائل له للتقاسم على مستقبل سورية لاحقاً. الهام هنا أن تلك الفصائل
تبتعد عن إبراز الطابع الطائفي لنشاطها، وتؤكد رفضها للدور الإيراني وتريد وطناً
للسوريين وليس لطائفة محددة على حساب بقية المجتمع، وتنأى بنفسها نسبياً عن
التبعية وشروط الخارج.
ربما الدعم الخارجي لن يسمح بالتقدم للفصائل
المقاتلة، فهي أثبتت أنها رادعة للنظام، ولكن أيضاً لن يُسمح لها بالبقاء! تجربة
الانتصار تقول، وبدلاً من تعزيز القوى المحلية يتم استبدالها بقوى جهادية، وهذا ما
يتم وفقاً لصالح اللعب الإقليمي والدولي. نقصد أن سورية أصبحت مركزاً للمساومات
بخصوص اقتسام النفوذ في كامل المنطقة. ويعاد تشكيل المنطقة بأكملها، وبما يعزز من
الصراع الشيعي السني، ويدمر الهويات الوطنية، وينهي مفاهيم الثورة الوطنية والدولة
الجامعة وأن الدين أخلاقٌ وليس سياسةً. التخوف من تصفية هذه الفصائل وإنهائها
واستبدالها بالجهادية، فهذا ما تمّ من قبل.
إيران تتدخل علانية الآن من أجل المفاوضات بخصوص
النووي، وفشلها في الانتصار لا يعني تقدم الثورة. وقد يكون التقدم مشكلة كما
ذكرنا. يهمنا هنا ألا تتقدم الجهاديات نحو تلك المناطق، بل وأن تطرد منها. وأن يتم
إعادة النظر بكل التحالفات معها، ورفض كل ميل طائفي لديها، وإطلاق رؤية وطنية
للثورة ولسورية، والتعامل مع السلطة كسلطة شمولية ناهبة ومدمرة ليس للثورة بل
لسورية ولمواليها، وللجيش ولكل شيء في سورية. أقصد لا بد من رؤية تنهي الخطاب
الطائفي والتبعية للخارج، وتعلن الالتزام بالاتفاقيات الدولية أثناء الحروب،
وإنهاء كل مظاهر الانفلات في القتل، ومعاقبة كل من يقوم بذلك، وإيداع المستسلمين
من الجنود والضباط في السجون للتفاوض عليهم. قتلهم وإذلالهم بعد اعتقالهم هو إعطاء
النظام الحجة التي ينتظرها، أي أنهم يشبهوننا ولن يرحمونا، وليس من خيار آخر إلا
القتال والإفناء المتبادل، ريثما يتحقق التفاوض وإعادة إنتاجه. النظام يريد ذلك،
ولم يكن لديه خيار آخر إلا الخيار العسكري والأمني، والجهاديات تساعده فيما يريد!
إذاً لا بد من رؤية وطنية على وقع الانتصارات
الجديدة؛ رؤية تُنهي الفوضى في العمل العسكري والسياسي. طبعاً، إيقاف الهجوم في
درعا وحلب كان بسبب التوحد بين الفصائل، وهذا هام، ولكنه لم يعد يكفي، ويتطلب
الأمر توحيد العمل الميداني والانتقال إلى معارك الهجوم وليس الدفاع؛ الاستراتيجية
العسكرية تبدأ بتركيز الحرب على مواقع النظام العسكرية بالتحديد ومعاملة الأسرى
وفق الاتفاقيات الدولية لحقوق الأسرى ورفض اشتراك الفصائل الجهادية ما لم تقر بأن
الثورة لصالح كل السورين. يعزز رأينا أن قوة الجهاديات المتعاظمة لم تدفعها محاربة
النظام بل بناء سلطات دينية ضد الشعب، ومن أجل بناء الوعي الجهادي، وصولاً إلى ما أقاموه
من إمارات إسلامية وخلافة إسلامية.
وبما يخص الشق السياسي والإغاثي والمدني، يفترض
ألا يخضع لأية أجندات إقليمية ودولية، بل لأهداف الثورة. ربما هذا أعقد ما سيتم تبنيه،
ولكنه الخيار الوحيد لإنهاء أشكال التبعية ومحاصرة قوات النظام، وإجبارها على ترك
حلب ودرعا وإدلب وحماه وبقية المدن، وبالتالي إجبار النظام على التفاوض والرحيل.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث