الرئيسية / منوعات / منوع / استدراج عروض..

استدراج عروض..

أحمد العربي

على الرغم من الكوميديا
التي لفّت مراسم استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتن في مصر، والناجمة عن العديد
من الأخطاء البروتوكولية، إلا أن هذه الزيارة تحمل مضامين بالغة الأهمية. لقد أحسن
المصريون استغلال تلك الزيارة لتوجيه عدة رسائل لأطراف عربية وإقليمية عبر حفاوة
الاستقبال المبالغ بها للرئيس الروسي. والتي تذكر باستقبالات قادة الاتحاد
السوفيتي سابقاً من تعليق لصور الضيف في شوارع القاهرة، وحشود من المواطنين تهتف باسمه.
وهذا غاية مايتمناه بوتن الحالم باستعادة مجد روسيا القديم. حقق المصريون من ذاك
الاستقبال، الذي بلغت تكلفته أكثر من 25 مليون جنيه مصري، هدفان. أولهما إرضاء
غرور بوتن، وثانيهما، وهو الأهم، توجيه رسالة للأمريكان أصحاب الموقف المتشدد
اتجاه انقلاب السيسي بأن مصر قد تخرج من الحظيرة الأمريكية، وتنضم للمحور الروسي
الجديد.

وتلك الرسالة ليست فقط
للأمريكان، وإنما للمحور الأمريكي في المنطقة وعلى رأسه السعودية، التي يبدو أن
وصول السديريين فيها للحكم حمل تغيرات في الموقف اتجاه مصر، منذ لحظة وفاة الملك
عبد الله. حيث يُعرف السديريون بتشددهم الديني، ودعمهم التاريخي للإخوان المسلمين
ومعارضتهم لموقف الملك عبد الله الداعم للانقلاب. وهذا ما بدى واضحاً في مراسم
جنازة الملك الراحل. حيث لم يحضر السيسي مراسم الجنازة بحجة سوء الأحوال الجوية
الذي منع طائرته من القدوم من دافوس، رغم أن طائرة ملك الأردن والرئيس التركي
وصلتا من ذات المكان. وثم أـتى مشهد وقوف أمير قطر، تميم، وأردوغان إلى جانب الملك
الجديد سلمان في الصلاة على الملك الراحل، ليشير إلى تغير جذري في العلاقات
الخارجية السعودية. وهذا ما أكدته زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف
إلى قطر.

لذلك اختار السيسي توقيت
زيارة بوتن، الذي أعقب زيارة محمد بن نايف إلى قطر، وهذا الاستقبال الكبير لتهديد
السعوديين بأن تغير موقفهم اتجاه مصر سيكون عالي التكلفة. مستنداً إلى ما تشهده
المنطقة من تغيرات خطيرة، وخصوصاً في اليمن على حدود السعودية وفي ليبيا المجاورة،
والتي تؤرق الأوربيين كونها بوابتهم البحرية. وعي السيسي لتلك المتغيرات في
المنطقة وحاجة جميع الأطراف الدولية والإقليمية للدور المصري، دفعه لبناء
استراتيجية قائمة فقط على تعظيم منفعة مصر من أي تحالف. أو بدقة أكبر، بيع الدور
المصري لمن يدفع أكثر. وتلك الرؤية للدور المصري لدى السيسي سابقة على وصوله للحكم،
ويؤكدها تسجيل حوار له مع مدير مكتبه وأحد كبار ضباط المجلس العسكري حين كان
السيسي رئيسه. تدرك كافة الأطراف الدولية والإقليمية لعبة السيسي، لذلك نجد بوتن
يحمل في جعبته العديد من المغريات لمصر منها اتفقيات عسكرية ومشاريع كبرى، كإنشاء
محطة نووية لتوليد الطاقة الكهربائية، وغيرها الكثير في مقابل ضم مصر لمحور
الممانعة. خصوصاً بعد تطابق رؤية البلدين نحو الملفات العالقة في المنطقة، كالملف
السوري وملف الإرهاب. والأوربيون أيضاً، مدفوعين بخوفهم من الوضع في ليبيا وقرب
الإرهاب من حدودهم، غردوا خارج السرب الأمريكي بدعمهم للسيسي عبر صفقة طائرات
الرافال الفرنسية، والتي ستمول بقرض فرنسي. أي أن البائع هو الممول. في ظل هذا
المشهد القاتم في المنطقة العربية تصبح مصر المستفيد الأكبر، حيث أحسن السيسي
إدارة صراع المحاور في المنطقة للخروج بمصر من أزمتها الاقتصادية، ولو كلف ذلك
تحويل الجيش المصري إلى مرتزقة يحاربون مع من يدفع أكثر. وسنشهد في قابل الأيام من
هو صاحب العرض الأقوى الذي سيشتري مصر.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *