أحمد العربي
يقيم اليساريون العرب
احتفالات “أورغازمية” بمناسبة اكتساح مهدي اليسار المنتظر “اليكسيس
تسيبراس” في الانتخابات اليونانية البارحة. حيث ترى الماركسي منهم، جنباً إلى
جنب مع التروتسكي والماوي يطرقون الأكواب فرحاً بمن سيطهر البلاد ويخلص العباد من
الأوليغاركية، وإجراءات التقشّف المتجسدة بالترويكا. لكن حقيقة الأمر أن قلّة فقط
من اليسار العربي على اطلاع كافٍ حول ما يحمله رئيس الوزراء الجديد وحزبه سيريزا
الراديكالي في جعبتيهما لمستقبل اليونان، أو ما تتضمنه أجندتهما لإنقاذ اقتصاد
البلاد المتعثر منذ الأزمة المالية عام 2008. إلا أنّ كل هذا لا يهم في شي، فكينونة
تسيبراس اليسارية تكفي أن تكون نصرأ بحد ذاتها، ما يبقى مجرد تفاصيل تقنية يمكن الحديث
عنها لاحقاً. بطبيعة الحال، هذا موروث ضاربة جذوره في عمق التركيبة الإيديولوجية
لليسار عموماً، والعربي منه خصوصاً. باختصار، هي بالتحديد متلازمة “الأممية
اليسارية”، التي تعني أن نصر أي من معتنقي العقيدة هو بالضرورة نصر للجميع، بغض
النظر عن الجغرافية أو طبيعة ونتائج النصر نفسه.
لكن السبب القريب والمباشر
للفرح العارم الذي عم أوساط “أصحاب اليسار” العرب هو الهزيمة الكبرى
التي منيوا بها خلال الربيع العربي. فصعود اليمين المتطرف في ظل غيابهم شبه التام
خلال الاحتجاجات، وصولاً إلى صعود حركتي النهضة والإخوان في تونس ومصر، أصاب
اليسار بخيبة أمل كبيرة دفعته إلى إسقاط أحلامه الضائعة على نصر تسيبراس، فقد
استطاع فعل ما عجزوا عن فعله. تلك الحالة، في الواقع، هي ربما عملية تعويض عن
“الذنب” الذي سبَّبه غياب اليسار عن مشهد الثورات في المنطقة، وصورة
الخذلان التي رسخت عنه في الذاكرة الجمعية لمن شهدوا الربيع العربي. لذلك، فقد رأى
أنصاره في نصر سيريزا إعادة إحياءٍ لطموحاتٍ كادت تخبو بعد انهيار جدار برلين، وإعلان
فوكيوياما غروب شمس التاريخ. كما رأوا فيه فرصة لإعادة رسم البورتريه اليساري في
الذهن العربي.
لكن تغيير هذا الانطباع لن
يكون يسير التحقيق، فلن تمحى بسهولة من ذاكرة جيل الربيع العربي صورة اليسار
المنقسم على نفسه، والذي –مع بعض الاستثناءات- قرر أن يدعم، ولو بخجل، ثورتي تونس
ومصر، لكن خذل أختيهما في سوريا وليبيا. عقيدته الراسخة التي تملي عليه الدفاع عن
القومية العربية ومقاومة الإمبريالية بأي ثمن (حتى ولو كان الثمن سحق الشعب)، دفعت
اليسار إلى الاصطفاف مع الدكتاتوريات في خندقٍ واحد، ضدّ دعات التدخّل الخارجي ذوي
الأجندات الأجنبية. وقد اعتبر طيفٌ واسعٌ من اليساريين أن تدويل الأزمة السورية
وعسكرتها، وما تلاها من صعودٍ للإسلاميين وطلب المعارضة لدعمٍ ومناطق حظر جوي يشكل
تهديداً صارخاً للمشروع والسيادة العربيتين، وأنه لن يصب إلا في مصلحة المشروع
الصهيوني. حتى أن بعضهم ذهب أبعد من ذلك، متبنياً رواية الأنظمة بأن تلك الثورات
ما هي إلا مؤامرات حيكت في أقبية السي آي إي والموساد.
ما لم يدرك اليسار العربي
عمق المأزق الإيديولوجي الذي يواجهه قبل فوات الأوان، فإنه لن يشتري هذا العيد،
ولا أي عيد، شجرة. سيكون تسيبراس وسواه هم الشجرة، التي سيعلق اليسار عليها
أمنياته وصلواته وقناديل دموعه على ما فاته.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث