الرئيسية / رأي / الشعب

الشعب

ثائر الزعزوع/

تتصل بي بين فترة وأخرى صديقة صحفية منفية عانت تجربة قاسية في الاعتقال لتسألني عن الحل، تقول لي وصوتها لا يخلو من حزن: متى سنرجع إلى سوريا؟ ماذا نعمل؟ ومؤخراً علق صديق عزيز على مقالتي السابقة في صدى الشام ليسألني: لكن ما الحل؟ والحقيقة أني كل يوم أسأل نفسي مرات ومرات السؤال نفسه، ولأنني أؤمن بأن التاريخ هو الدرس الأعظم الذي يمكن أن تنهل منه معارف لا تنضب، وهو المعلم الذي لا تخيب إن سألته، فإني أعود لأنهل من كتب التاريخ دائماً أبحث عن أجوبة لسؤالي المؤرق هذا وأسئلة كثيرة أخرى، وكل مرة أجد إجابات كافية وافية، وقد تحدثت في مقالات سابقة عن عظمة الثورة الفرنسية والمعاناة التي عاناها الفرنسيون حتى يحصلوا على حريتهم التي غيرت وجه العالم، وهي برأيي درس مهم ينبغي علينا عدم إهماله كلما أصابنا اليأس أو الشك بثورتنا. لكن هذه المرة جاء الدرس من الحاضر، إذ إن محاولة الانقلاب الفاشلة التي قام بها مجموعة من العسكريين للاستيلاء على السلطة، فشلت لأن الشعب التركي انتفض ضدها، وقف أمام الدبابات بأجساد عارية وقرر الدفاع عن حقه، عن الديمقراطية التي ينعم بها، فيما لم يستطع الشعب المصري أن يدافع عن حقه واستسلم للآلة العسكرية وخاف من الموت، ولا شيء آخر غير الموت جعل الناس تنكفئ وتعود إلى بيوتها وتنتظر معجزة تأتي من السماء لتنقذها من الواقع المؤلم الذي تعيشه. مثال آخر راقبته في فرنسا غداة حادثة الدهس المروعة التي حدثت في مدينة نيس الساحلية، كان المشهد مخيفاً كما نقلته كاميرات التلفزة، لكن الفرنسيين لم يخافوا، وفي اليوم التالي ملأوا شوارع مدنهم ليدافعوا عن حقهم في الحياة، ليس بتوجيه من السلطة ولا من شيوخ الدين ولا من أي أحد، بل بإيعاز من تاريخهم النضالي الكبير الذي عانوا خلاله الويلات وقد دفعوا ثمن كل ذلك دماً، كما ندفع نحن ومنذ أكثر من خمس سنوات دماً وتشرداً… لكن أكثرنا لم يصبه اليأس.

أعتقد أن مشكلة ثورتنا الأساسية هي أنها انتظرت أن يأتي من يحك لها جلدها، ورفعت لافتات تطالب فيها المجتمع الدولي بالتدخل، وتمنى الكثيرون أن تقوم الأمم المتحدة بإنصافنا وتلاحق القاتل وتقدمه للعدالة. لم يخجل بعض الناشطين في بداية الثورة من تسمية إحدى الجمع “التدخل الدولي مطلبنا” وأعتقد أن تلك الجمعة كانت من أسوأ الأشياء في تاريخ الثورة، وأتمنى أن يتم حذف تلك التسمية المهينة من ذاكرتنا كلنا، فمنذ متى كان غيرك يعمل لأجلك؟ وهل حقاً أنصف المجتمع الدولي الفلسطينيين أو الفيتناميين؟ وبالحديث عن الفيتناميين، التقيت منذ فترة سيدة من فيتنام تعمل محامية في إحدى الشركات الفرنسية، وقد تحدثت معها بلغتي الضعيفة عن مدى إعجابي بتضحيات الشعب الفيتنامي الذي وصفته بالبطل، فضحكت وقالت لو سمعك أبي تقول إننا أبطال لغضب منك، لأننا لم نفعل شيئاً غريباً نحن فقط قاتلنا لأجل بلدنا ولأجل حقنا، وهذا هو الشيء الطبيعي.

إبان الغزو الأميركي للعراق وعقب ظهور المقاومة العراقية وتحديداً في محافظة الأنبار، أذكر كلمة لرئيس قوات الاحتلال آنذاك جورج بوش الذي قال لو إن قوات أجنبية احتلت بلدي لقاومتها، وكان من الطبيعي أن نقاوم لا أن نستنهض همم الجهاديين ونبدأ بالصراخ منذ يومنا الأول أين العرب أين المسلمون؟

أعتقد أن طريقنا ما زال طويلاً، ولذلك فما هو مطلوب منا هو أن نحافظ على الثورة مشتعلة في دواخلنا وأن ننقلها أمانة للجيل القادم، وأن نظل محتفظين بحقنا في النصر والحياة دون أن نطلب ذلك النصر من أحد. مرة أخرى أكرر إنها ثورتنا نحن وليست ثورة غيرنا، هي ثورتنا ضد نظام سرق منا سوريتنا وحياتنا وعلينا أن نستعيدها. نضالنا لأجل حقنا لا بد أن يستمر، وعندها فقط سننتصر. هم يراهنون على أننا سنتعب ونترك الثورة وننصرف إلى حياة جديدة، أو نستسلم للطاغية وربما يبايع بعضنا ابنه الذي بدأ يظهر بكل صفاقة على وسائل إعلامية في مناسبات مختلفة.

إذاً الإجابة هي الشعب، الذي قال أبو القاسم الشابي إنه إن أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر، قد يطول الليل، لكن لا يمكن أن يستمر الليل إلى ما لا نهاية، ثمة ضوء نهار سيطلع أخيراً… الشعب هو المعادلة التي سوف تنتصر… وعلينا أن نواصل ثورتنا.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *