أحمد عربي
مرت أكثر من عشر سنوات على
الحرب العالمية على الإرهاب، ومازال هذا الإرهاب والتطرف الديني هو الرابح في تلك
الحرب، فكلما اشتدت عليه ازداد مؤيدوه والمتطوعون في صفوفه .
استغل هذا التطرف فراغ
السلطة الناتج عن الربيع العربي ليكسب مساحات جديدة من الأرض، وأي أرض؟، الأرض
العربية التي طالما حلم بها لكونها تشكل حاضنة شعبية كبرى لهذا التطرف، ومورداً
هاماً للتمويل .
والأهم كونها تعاني تصحراً
فكرياً، وفراغاً إديولوجياً يسهل على التطرف الذي يرفع شعارات إسلامية ملأه، كون
الإديولوجية الدينية راسخة في ضمير الأمة .
وهنا ننطلق لنطرح تساؤل هذه
المقالة، هل يصلح السلاح لحرب الفكرة ؟
إن النظر في واقع الأمة
العربية اليوم يقودنا إلى القول بأن ماتعانيه هذه الأمة من عقبات ونكبات وانتكاسات
إنما يكمن في كونها لاتعرف ذاتها، وتجهل هويتها. وما الهوية إلا الثقافة التي
ينتمي إليها الإنسان، وتشكل امتداداً للثقافة التاريخية والاجتماعية. ولذلك فلقد اقتضي
أن تكون معرفة الذات، وتحقيق هذه المعرفة، مرتبطة بالعودة إلى الثقافة التي تنتمي
إليها هذه الذات .
منذ بداية النصف الثاني من
القرن العشرين ظهرت بوادر الجدال حول أسباب تخلف الأمة، وترسخ هذا الحال بعد
الهزات العنيفة والهزائم التي لحقت بها، حتى أصبح هذا الجدال سبباً من أسباب تكريس
التخلف والتعود عليه . ولعل الطروحات والتصورات التي وضعت لإيجاد الحلول لأزمة
الأمة العربية وإزالة أسباب تخلفها ما كانت في جوهرها إلا نتيجة تلك الأسباب
ذاتها، لأنها كانت دائماً تنطلق من مرجعيات مختلفة ومتغيرة بحسب البلد العربي الذي
تصدر عنه من جهة، وبحسب تبعية هذا البلد لتيار من تيارات الفكر أو السياسة
العالميين . بالإضافة إلى أن تلك المرجعيات ذاتها كانت تقف في وجه النهضة العربية
لكونها غربية غريبة في معظمها عن ثقافة الأمة الاجتماعية والتاريخية.
لذلك قد آن الأوان لكي نعيد النظر في واقعنا من خلال
مرجعية واحدة خاصة بنا، ومشتركة تقر بها الغالبية العظمى في الوطن العربي، وأقصد
بهذه المرجعية الذات العربية أو الهوية العربية .
هذان المفهومان اللذان
يقودان بالضرورة إلى مفهوم آخر هو مفهوم الإنسان، والذي لا يمكن له أن يفعل شيئاً
ذا قيمة، إن لم يكن ينطلق من وعي خاص به يبين له من هو؟ وماذا يريد من وجوده؟.
يعاني الإنسان العربي اليوم
من جهل في الهوية هو مرد كل الأزمات التي تعانيها الأمة، فهو ضحية لتيارين أحدهما
يجره نحو الماضي والتغني بأمجاده الأمر الذي يمثل هروباً من الواقع، واعترافاً
بالعجز عن التفاعل معه والتأثير فيه، يقوده الراديكاليون الإسلاميون . والثاني
يحاول الهروب به إلى الأمام من خلال تبني أنظمة كونية غريبة عن المجتمع، قادته
الأنظمة العربية وممثلوها الفاشلون من المثقفين . وهنا تظهر الحاجة إلى فكر حديث،
وبنفس الوقت أصيل وراسخ في ضمير الأمة العربية كرسوخ الفكر الديني، يشكل هوية
واضحة للإنسان العربي ويحقق للأمة العربية بعثاً جديداً. نعم بعثاً وأقولها دون
خشية، فما لحق بالمصطلح من تشويه لحق بالقومية العربية نفسها، ليس لخلل فكري فيها،
بل لسوء طالعها كونها ثاني الإديولوجيات بعد الدين رسوخاً في الضمير الجمعي لأبناء
الأمة العربية. الأمر الذي وسع قاعدتها الشعبية بشكل أوصل أحزابها إلى الحكم، وإن
كان بالإنقلابات التي هي سمة الحكم العربي
في القرن الماضي، مما أدى إلى تحول الأحزاب القومية وليس الفكرة إلى أحزاب
شمولية تشكل غطاء سياسي شكلي لأنظمة دكتاتورية، بمعنى أن الدكتاتورية لاتمت بصلة
فكرية إلى القومية العربية، وهذا الأمر ممكن الحدوث مع أي إديولوجية أخرى ترتبط
بالسلطة. كما في تجارب الأحزاب الإسلامية في السودان وإيران، وتجربة الشيوعية في
الإتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية.لذلك يجب الفصل بين الفكرة وأداء
الأحزاب التي تدعي تبنيها، فرغم كل مساوئ حكم الأحزاب القومية العربية، إلا أن
الفكرة القومية العربية كإديولوجية بقيت مريحة شعبياً ومقبولة في المجتمعات العربية
كهوية جامعة،خاصة لدى الأقليات الدينية التي وجدت فيها الصيغة الأمثل للعيش
المشترك في بلدان تعددية، ومخرجاً لها من تهمة الأقلية.
ترهل الفكر القومي كما
ترهلت جميع الاديولوجيات الأخرى في الوطن العربي، بسبب فترة الكمون السياسي الطويل
الناتج عن القمع وهو أمر طبيعي، لكن أن تستمر حالة السبات هذه هو الأمر الغير
طبيعي في ظل ما تشهده المنطقة العربية من تحولات خطيرة. بدءاً باحتلال العراق، واجتثاث البعث ليس كحزب سلطة فقط بل كفكرة
قومية على يد أحزاب إسلامية، بشكل كان يؤذن ببداية صعود الإسلام السياسي، وتحول
الدين والطائفة إلى هوية .تلك الصفعة كان يجب أن توقظ الأحزاب العربية، وعلى رأسها
القومية من سباتها لتعيد النظر في أدائها وأفكارها التي أصبحت بالية وبحاجة إلى
تحديث يتناسب مع تطور الأحداث في المنطقة، كي تتمكن من حجز مكان لها في المرحلة
القادمة ومواجهة خطر ترك الساحة الفكرية للإسلامين وحدهم .
ولكنها لن تتمكن من ذلك إلا
إذا جددت وحدثت أفكارها، بشكل يقدم حلاً لأكبر مشكلة تواجه الأمة العربية، وهي
إدارة التنوع الديني والطائفي والعرقي . وهي قادرة، إذا وسعت مفهوم القومية
العربية إلى الثقافة العربية، التي تجمع كل الأقليات العرقية في الدول العربية مع
العرب، هذا المفهوم الذي يمنع تحول تلك الأقليات إلى قوميات. فالصراع القومي الذي
بدأت بوادره تلوح في الأفق عبر الأكراد في سوريا والعراق، والنزعة القومية
الأمازيغية التي بدأت بالتشكل في المغرب العربي، قد يكون إشكالية ما بعد الطائفية،
التي حولت الطائفة إلى قومية قد تنقسم العديد من الدول العربية على أساسها. وهنا
تظهر ضرورية انبعاث الفكرة القومية العربية من جديد، كونها الصيغة الوحيدة الجامعة
للطوائف الإسلامية، والوحيدة القادرة على توسيع مفهوم الإسلام إلى مفهوم الثقافة
الإسلامية الذي يجمع المسلم وغير المسلم ممن يعيشون على الأرض العربية .
لا جدال حول جدوى الفكر
القومي العربي كحل ومخرج للأمة العربية من مأزقها، خصوصاً بعد فشل تجربة الدولة
الوطنية على النموذج العراقي واللبناني، ونجاعته كسلاح في مواجهة التطرف والإرهاب،
ولكن الجدل هو حول إمتلاك من بقي من المثقفين العروبيين، وليس القومجيون من تجار
القومية للإرادة والشجاعة الكافية لتجشم عبء مهمة إنقاذ الأمة وتحديث أفكارهم
وتقديمها كحل للجمهور العربي، وهو أمر ليس بمستحيل بعد زوال العوائق القمعية
للأنظمة، وامتلاك بعضهم إمكانيات كافية لبدء مثل هذا المشروع، والذي لا تتطلب
الخطوة الأولى منه أكثر من عقد مؤتمر جامع للاحزاب العربية ذات التوجه القومي، يتم فيه إعادة تكييف الفكر القومي العربي مع تطورات الأحداث .
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث