الرئيسية / تحقيقات / لعبة الأمبيرات المناطق المحرّرة تبدّد الظلمات .. بالاشتراكات

لعبة الأمبيرات المناطق المحرّرة تبدّد الظلمات .. بالاشتراكات

خالد
أبو بكر

ظلامٌ
دامسٌ يسيطر كل ليلة على منازل وشوارع قرى
ومدن المناطق المحرّرة. فلا ترى سوى أضواء السيارات العابرة أو أبيال المارة
الخافتة.

أربعة
أعوام مضت من عمر الثورة، كانت كل قرية أو مدينة تتحرر من رجس نظام الأسد يتم
معاقبتها بالقصف بشتى أنواع الأسلحة. بالإضافة إلى إقامة حظر اقتصادي ولوجستي يشمل
تعطيل جميع البنى التحتية وإخراجها من الخدمة، وقطع للمياه والكهرباء والاتصالات. فيعيش
أهالي هذه المناطق في رعب وخوف دائمين، وظلام يزيد على مآسيهم .

فالمناطق
المحرّرة من محافظتي (إدلب – حلب) شمال سورية تشهدان شُحاً كبيراً في الكهرباء.
وفي بعض المناطق، انعدامٌ كاملٌ لها، وذلك بسبب معاقبة النظام الأسدي ومحاربة
الأهالي بقوت عيشهم، والضغط عليهم بشتى الوسائل. كما تعاني المجالس المحلية من صعوبة
تأمين كوادر وورش لإصلاح الأعطال، مما يسبب تراكماً كبيراً في أعطال الشبكة يؤدي
إلى خروجها من الخدمة.

الحاجة
أم الإختراع

أسبابٌ عديدةٌ دفعت بعض رؤوس الأموال في هذه
المناطق إلى تفعيل الاشتراكات الأسبوعية (الأمبيرات)، وذلك عن طريق مولدات
كهربائية ضخمة تقوم بتوليد التيار الكهربائي، ومن ثم توصيله إلى المشتركين عن طريق
شبكات خاصة. تعتبر هذه الوسيلة في تأمين الكهرباء باهظة الكلفة، حيث أنها تحتاج
إلى الوقود (مازوت) والمعدات اللازمة غالية الثمن وغير المتوفرة في الأسواق
المحلية. فيقول “أبو صطيف”، مالك أحد مراكز توليد الكهرباء في ريف إدلب
شمال سورية، لـ “صدى الشام”: “نحتاج إلى كمية كبيرة من الوقود
لتشغيل المولدات، كما أننا نجد صعوبة كبيرة في صيانة المعدات. ونعاني أيضاً من
مشكلة تأمين قطع الغيار”.

ويتابع
“أبو صطيف” في حديثه عن الكابلات والقواطع وعلب التغذية، التي يصل سعرها
إلى 20000 ليرة، “صحيح
أن المشترك يدفع مستحقات التوصيل إليه، لكن
بالمقابل نحن نعاني من موضوع شحن البضاعة وتأمينها حيث نضطر أحيانا لجلبها من
تركيا وأحيانا من حلب وحماة

كما
أكد “أبو صطيف” على نقطة مهمة، على حد قوله، بأن عدم استقرار سعر
الدولار الأمريكي مقابل الليرة السورية يلعب دوراً مهماً، ويجبر التاجر في بعض
الأحيان على رفع سعر الاشتراك الأسبوعي، والذي بدوره سيجلب سخط المشتركين وتذمرهم
. لافتاً، ” أننا نضطر في بعض الحالات لشراء معدات صينية لنستطيع موازنة
التكلفة بيننا وبين المشتركين”.

معاناة
مضاعفة

عواقب
كثيرة يواجهها التجار لتأمين الكهرباء للمواطنين. ولكن ما يعانيه المشتركون من
صعوبات يفوق معاناة التاجر بعدة أضعاف.

فقد
أكد “عمر العبسي”، أحد السكان المحليّين في حي صلاح الدين في حلب
لـ”صدى الشام” بأن، “عائلته تحتاج إلى مبلغ 1500 ليرة سورية أسبوعياً،
لتأمين كهرباء كفيلة بإنارة المنزل وتشغيل التلفاز، إضافة إلى بعض الأدوات الخفيفة”.
ويضيف “العبسي”، ” إن استغلال التجار للمشتركين، والذي يتجلى في
المعدات غالية الثمن التي يتكلف بها المشترك لتوصيل الكهرباء إلى بيته، حيث يصل
سعرها إلى 25000 ليرة سورية. وأكمل قائلاً: “هاد كله بكفة و”الفيوز”
بكفة أخرى تماماً، فهو مسؤول عن قطع التيار في حال تحميل الشبكة جهداً فوق
الاستطاعة المطلوبة. فقد يضطر المشترك إلى تغييره أكثر من ثلاث مرات في اليوم
الواحد، فيقوم بشرائه من التاجر نفسه بمبلغ 50 ليرة سورية ليصبح لدى المشترك مبلغ
إضافي يتراوح بين 150 – 200 ليرة سورية يومياً ثمناً للـ “فيوزات”.

كما
أن أسعار الاشتراكات تختلف من منطقة إلى أخرى. ففي مدينة سراقب في ريف إدلب، يقول
لنا “أبو أحمد”، أحد سكان المدينة وصاحب متجر، أن سعر الاشتراك الأسبوعي هو 800 ليرة كفيلة بتشغيل إنارة إضافة للتلفاز، في حين يدفع 1200
أسبوعياً لتأمين الكهرباء لمتجره الذي يحتوي على براد وميزان إلكتروني فقط.

أما
في مدينة الأتارب في ريف حلب الجنوبي، يتحدث “أحمد القاسم”، وهو أحد
العاملين في محطة الكهرباء في المدينة، أن سعر الاشتراك الأسبوعي هو 600 ليرة سورية كفيلة بالإنارة والتلفاز. ولفت
“القاسم” إلى الصعوبات التي تواجهها الكوادر الفنية والخدمية في المحطة
في تصليح أعطال الشبكة والمخاطر التي يتعرض لها العمال، بسبب قلة المعدات المسؤولة
عن سلامة العامل والتي تسهّل عمله من رافعات وألبسة واقية وأحذية آمنة. كما أكد
أيضاً على نقطة النقص الكبير في الكابلات والعوازل، حيث يضطر العمال إلى توصيل
الكابلات مع بعضها البعض بدلاً من استبدالها وأحياناً من دون عوازل، بسبب عدم توفر
الكمية الكافية لتغطية الكابلات، مما يجعلها مصدراً رئيسياً للخطر على حياة السكان
المحليين. فيقول: “لا يستطيع الأهالي أن يستغنوا عن الاشتراكات الأسبوعية –
الأمبيرات – لأن الكهرباء النظامية ليست كافية بما يلزم لسد حاجة المدينة، كما أن
كوادرنا الفنية تجد صعوبات في إصلاح الأعطال المستمرة، حيث لا يمضي يوم علينا من
دون مشاكل في الشبكة”.

أما
في مدينة عندان في ريف حلب الشمالي، يقول “محمد عبد الغني” أن سعر الاشتراك الأسبوعي 700 ليرة كفيلة بالإنارة والتلفاز، متابعاً
بقوله: ” إذا احتجت تشغيل مولدة المياه فلابد من إطفاء كل شيء حتى تعمل المولدة”.

وفي
مدينة سلقين الواقعة في ريف إدلب الشمالي، يقول “نجيب أبو سلطان”، أحد
السكان المحليين، أن الاشتراك الأسبوعي هو 1000 ليرة سورية، مضيفاً عن تجربته في
استعمال المولد المنزلي الذي يعمل على الوقود (بنزين) فيقول: “مولد صغير
يحتاج إلى لتر بنزين ليعمل لمدة ساعتين، تستطيع خلالها أن تستعمل الإنارة والتلفاز.
وعند الحاجة لاستعمال مضخة الماء ستضطر لفصل كل شيء عن التيار الكهربائي. لذلك
رأيت بأن الاشتراكات الأسبوعية تفي بالغرض، رغم غلاء نفقاتها في البداية، إلا أنها
تخفّفُ من أعباء مولد البنزين الذي يحتاج إلى 500 ليرة سورية يومياً ثمناً للبنزين
الذي يستهلكه ونفقات تصليحه بين الحين والأخر”.

احتكار
وتجارة

تحكمٌ
واستغلال ونهبٌ للأموال، هذه هي وجهة نظر المواطن الذي لا يتوقف عن التفكير في
وسيلة ما لتوفير القليل من المال ليجلب به قوت
عياله اليومي. فهو يعتبر أن التاجر يستغله، خاصة وأن هذه الاشتراكات هي الوسيلة
الوحيدة لتزويده بالكهرباء.

إن
هذا التفاوت الكبير بالأسعار يختلف من منطقة لأخرى. والسبب في ذلك يعود إلى التجار
المحتكرين الذين يحددون الأسعار التي تناسبهم دون أي رقابة من المحاكم الشرعية أو
المجالس المحلية. يحمّل الأهالي في هذه المناطق المؤسسات المسؤولة في مناطقهم وزر
هذا الاستغلال والتفريق، حسب زعمهم، ويتهمون القائمين عليها بالفساد والإهمال. وفي
المقابل، يدافع المسؤولون عن هذه المؤسسات عن أنفسهم بإلصاق الأمر بالجهات الداعمة
لهم ويتهمونها بالتقصير. فيقول السيد “محمد الأحمد”، عضو أحد المجالس المحلية
في ريف إدلب، لـ “صدى الشام”: “يتهمنا البعض بالتقصير والإهمال،
والبعض الأخر بالفساد، لأننا لا نستطيع توفير الكهرباء لهم على حد زعمهم. أما، في الحقيقة، فنحن لا نسد حاجتهم، لكن ليس بسبب الإهمال
أو الفساد كما يظنون، بل لعدة عوامل أهمها عدم قدرتنا على التحكم في أسعار
الاشتراكات. وذلك لعدم توفر البديل لدينا لتأمين حاجة المواطن، إضافة إلى الافتقار
إلى جهة أمنية وقضائية عادلة تقوم بسن قوانين تلزم التجار بأسعار مقبولة تناسبهم
وتناسب دخل المواطن”. وينوّه “الأحمد” في حديثه إلى أن الجهات
الداعمة للمجالس المحلية في الحكومة السورية المؤقتة تفتقر إلى الميزانية التي
تسمح بإنشاء هكذا مشاريع في القرى والمدن المحرّرة.

تجارٌ
تحتكر … ومسؤولون يتهربون، ويبقى المواطن السوري هو الضحية التي يتصارع الجميع
لاستغلالها، فكل يوم يقبل يجلب معه عواقب كثيرة
تقف أمام المواطن وتزيد من معاناته. ولكنه رغم كل هذا وذاك يتحدى بكل عزمٍ وثبات،
ويثبت للعالمِ كلّه أنه قويّ العزيمةِ وثابتٌ أمام المحنِ والأزمات.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *