الرئيسية / رأي / كفاكم، كفانا، كفاهم

كفاكم، كفانا، كفاهم

ثائر الزعزوع

انشغل العالم كله الأسبوع الماضي بالجريمة الإرهابية
التي استهدفت مقر صحيفة شارلي أيبدو الفرنسية الساخرة في العاصمة الفرنسية باريس،
واستنفر العالم طاقاته ليتعاطف مع ضحايا الجريمة، بدءاً بمجلس الأمن الدولي وصولاً
إلى البيت الأبيض، وحتى رئاسة الائتلاف وحكومة النظام، كلهم نددوا بما حدث،
واستنكروا هذا الإجرام الذي يلاحق حرية الرأي والأحرار في العالم أينما كانوا،
ويعادي أي بريق حرٍّ قد يشع في أي مكان، لأن من يقومون بمثل هذه الأفعال هم، وبكل
بساطة، ودون شروح وتفصيلات، عبارة عن مجموعة من القتلة المجرمين المتطرفين الذين
يعتبرون الحرية رجساً من عمل الشيطان، وقد أفتى مشايخهم وعلماؤهم بتحريم كل شيء،
ومحاربة كل شيء، حتى تحول العالم إلى قنبلة موقوتة قد تنفجر في أية لحظة، في ظل
غياب مناقشة علمية واقعية للنصوص الدينية، وعدم وجود مؤسسات بحثية غير مسيسة تناقش
المسائل الدينية غير المتفق عليها، وتحاول إيجاد حلول لهذه المجتمعات النازفة
المتهالكة بعيداً عن سلطة مشايخ السلطان. وقد طالب الكثيرون بهذا مراراً، وخاصة
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي قام بها إسلاميون فسروا الدين على هواهم،
وقرروا تحويل أنفسهم إلى قنابل متفجرة فداء لإسلامهم الذي يؤمنون به، وقد أخبرهم
قادتهم ومشايخهم أن موتهم يفتح لهم أبواب الجنة على مصاريعها، وأن موتهم سيهزم
معشر الكفر والفسوق، تماماً كما كان الخميني يمنح مقاتليه ورقة كتب عليها مفتاح
الجنة، ويرسلهم للقتال في سبيله ثورته الدينية المتشددة في حرب مع العراق استمرت
ثماني سنوات استنزفت الدولتين، وبددت قدراتهما وأخرت عجلة التنمية. وقد أفتى
الخميني بهدر دم الكاتب البريطاني سلمان رشدي عقاباً على روايته “آيات
شيطانية” وتحول الكاتب إلى هدف لصائدي الجوائز، بعد أن رصد “آية
الله” ثلاثة ملايين دولار ثمناً لرأسه، وقد بارك العديد من المشايخ فتوى
الخميني تلك، واعتبروها انتصاراً للإسلام، ولم يستنكرها أحد منهم، إلا إن كان
الغرض من استنكاره “فضح الشيعة ومغالاتهم”.

وقد تسبب هذا “الإسلام” “الخميني
القاعدي” بحروب ودمار، ونشوء فوبيا لدى المجتمعات الغربية من كل أصحاب البشرة
السمراء، حتى وإن لم يكونوا مسلمين.

وفي وجود نظم تعليم رجعية وأنظمة حكم ديكتاتورية، تحوّل
الدين إلى واحد من أدوات السلطة الرخيصة، وتحوّل أولئك “الحمقى” إلى
أسلحة قذرة، باتت تهدد العالم بأسره، فكانوا بذلك أشبه بفيروس الإيدز الذي تم
تصنيعه معملياً، لكن وبعد انعدام السيطرة عليه صار يهدد صانعيه أنفسهم، وانتقل
“الجهاديون” بالعدوى بسبب التخلف والجهل والفوضى من دولة إلى دولة،
وصاروا خطراً لا على العالم “الكافر” فحسب، بل على كل شيء، ولم يسلم من
شرهم حتى النبات، فهم لا يزرعون ولا يحصدون، ولا يعملون، هم فقط قتلة يجوبون
الآفاق، وينشرون الموت.

بعد حادثة شارلي إيبو المؤلمة، والتي لا تختلف كثيراً
بالمناسبة، عن فتوى الخميني، انبرى المسلمون للدفاع عن إسلامهم، فالقتلة مسلمون،
وتوضيحاً إسلاميون غضبوا لأن الصحيفة تجرأت على نشر رسم كاريكاتوري يسخر من زعيم
تنظيم داعش، وقيل لأنها أعادت نشر الرسوم الدانماركية الشهيرة التي تسيء للرسول
محمد، وللمعلومة فقط فالصحيفة تسخر من كل شيء، ولم يسلم من ريشة رساميها وأقلام
صحفييها أحد، وقد وقفت مرات ومرات أمام القضاء بتهم عديدة، وثمة الكثير من
الفرنسيين ممن لا يوافقون على ما تقدمه وينتقدونها باستمرار، لكن أياً منهم لم
يحمل مسدساً ويهاجم ويقتل ويهتف: “الله أكبر”، انتقاماً لبابا الفاتيكان
مثلاً.

لكن جهادياً إسلامياً تعلم أن القتل هو اللغة الوحيدة
التي يفهمها الكفرة الزنادقة الذين يعادون الإسلام في كل ما يفعلونه، هو فقط من
يفعلها انتقاماً للرسول محمد، وهل يحتاج الرسول لمجرم كي يدافع عنه، بل هل يحتاج
الإسلام لهذا الكم الهائل من المجرمين؟

وكي لا يبرئ أي نظام عربي نفسه من هذه الجريمة أو من أي
جريمة سواها، وكي لا يظهر الديكتاتوريون وكأنهم طيور تزقزق في أجواء الحرية،
فالأنظمة العربية هي المتهم الوحيد، وهي التي تقف وراء هذا الخراب الذي وصلنا
إليه، بأجهزة مخابراتها، بمعتقلاتها، بمدارسها ومستشفياتها، بكل شيء، بدءاً بقلم
الرصاص وصولاً إلى تمثال سيادته. فالنظام الذي اعتدى على أصابع علي فرزات، هو نفسه
النظام الذي أصدر أوامره بجلد المدون السعودي رائف بدوي، وهو نفسه أيضاً النظام
الذي يعتقل صحفيين كانوا يحملون كاميرات في مصر. كلها أنظمة مسؤولة عمّا وصلنا
إليه من خراب، ولا أستثني أحداً كما قال مظفر النواب مرة.

الكثيرون تضامنوا مع الجريدة ووقفوا ضد مرتكبي الجريمة،
والكثيرون أيضاً استبدلوا صورهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي بعبارة
je suis Charlie
والتي تعني بالفرنسية “أنا شارلي”. وقد قال أحد المواطنين الفرنسيين
الذين تجمهروا في ساحة الجمهورية: “نحن ندفع ثمن الحرية التي نؤمن بها، ولن
نتخلى عن إيماننا مهما فعلوا، لكننا لن نقتلهم كما يقتلوننا، بل سنبقى
أحراراً”. وهل ثمة عبارة أبلغ من هذه العبارة لتكون سلاحاً في يد شعب صنع حريته
بدماء أبنائه تماماً كما يصنع السوريون حريتهم بدمائهم، حرية سوف تطهرهم وتحررهم
من جميع المجرمين.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *