سما الرحبي
عدة عواصف ضربت مدينة دوما أكبر مدن الغوطة الشرقية في ريف دمشق، فمن حرب أهلية بين الكتائب المقاتلة على الأرض، إلى قصف شديد طال أحيائها مصدره قوات النظام السوري، تزامناً مع الحصار الخانق الذي سيدخل عامه الثالث.
لتأتي العاصفة الثلجية التي ضربت عدداً من بلدان الشرق الأوسط وتكمل على المشهد الدوماني، رغم ذلك يؤكد أحد الناشطين الإعلاميين في مدينة دوما ويدعى “بدرة محمد” أن :” الناس استقبلوا الثلوج، بفرح شديد، وكوني أعمل في مجال التصوير الفوتوغرافي، كثيراً ما أدقق في تفاصيل الوجوه، كانت مشعة متفائلة بالبياض المحيط بالمدينة، بعيداً عن اللون الرمادي، الذي طغى على الأحياء منذ 3 سنوات بسبب تهدم الأبنية”
مضيفاً، “في أيام العاصفة الماضية لم تكن الأضرار من الثلج بقدر ما كانت من طريقة التدفئة، وما يتبعه من مشكلات صحية، فاستنشاق غاز أحادي أكسيد الكربون نتيجة احتراق الحطب، أدى إلى تزايد حالات الاختناق والربو وغيرها من الأمراض التنفسية خاصة عند الأطفال، لكن لا يوجد أي وسيلة تدفئة آخرى مع انعدام سبل الحياة في الغوطة منذ عام 2012.”
طرق التدفئة في الغوطة كغيرها من المدن السورية المنسية، الأولوية كانت للحطب، وكثير من المطابخ أصبحت اليوم غرف معيشة، لاحتوائها على مدفأة حطب تصلح بذات الوقت موقداً للطبخ، إضافة أن الحطب رخيص نوعاً ما، رغم اشتداد الطلب عليه في الغوطة، إذ يتراوح سعره مابين 40 ليرة و60 بحسب النوعية والتاجر.
أما العائلات التي ليس بمقدورها شراء الحطب وتأمينه، اعتمدت على البطانيات، والمشروبات الساخنة التي تعطي القليل من الدفء، تلك التي تصنع بواسطة وقود الغليسرين، والبعض الآخر اتجه لحرق أثاث منزله من الخشب في سبيل خلق بعض الدفء.
كما أن كثير من أشجار الكينا في مدينة دوما اقتلعت من الأرض نتيجة الرياح الشديدة التي وصلت سرعتها إلى 100 كيلو متر في الساعة، فسارع الأهالي لتكسير خشبها، يقول “الياس الهاجري” عضو في تنسيقية دوما :” الأهالي لم تحضر شيئاً لاستقبال العاصفة، فالكوارث بمختلف أشكالها، باتت أمراً اعتيادياً لديهم، العوائل لم تشتري أو تخزن شيئاً، فبالأساس ليس هناك شيء لشرائه، نعيش بقوت يومنا، أحياناً تمر أيام دون أن نأكل شيئاً، اعتدنا الحال، آملين في الله أن ينهي عذاباتنا”. ويضيف :” لا يوجد آي جهة ساهمت بتقديم أي مساعدة للناس، فنحن محاصرون والمنظمات والجهات الداعمة لهم سقف معين ولا يستطيعون فعل أكثر من ذلك، أما الجيش الحر في هذه الأجواء يكون له التفوق وتكون المعنويات في أشدها”.
في مدينة “داريا” التي تقع تحت سيطرة المعارضة، فالحال مشابه، داريا المدمر أكثر من نصفها نتيجة هجمة شرسة لقوات النظام في محاولات لاستعادة السيطرة عليها بسبب موقعها الاستراتيجي إذ تبعد 2 كم عن القصر الرئاسي، و تحتوي 6000 مدنياً، بعد أن كانت تتسع ل 300 ألفاً، رغم ذلك فالمشافي والخدمات كانت على أتم استعداد لاستقبال حوادث الثلج، وسيارات المجلس المحلي وخدماته فتحت الطرق نتيجة تراكم الثلوج، ومنعاً لحوادث السير أو انزلاق السيارات التي تعد على الأصابع نتيجة انعدام الوقود.
إدلب تحت الثلج
وفي ريف إدلب أدت العاصفة إلى طوفان وغرق عدد من الأقبية في بلدة كفرنبل بسبب غزارة الأمطار، ومنها مركز ألوان لرعاية الطفل ومدرسة أجيال الخاصة المجانية، إلى جانب عدد من البيوت الخاصة بالأهالي.
وكان الأهالي قد استعدوا للعاصفة التي لم يعرفوا أنها قادمة نتيجة انعدام الكهرباء ووسائل الاتصال المختلفة، إلا من مشاهدتهم للغيوم والجو العاصف المنذر بقدومها، فاستعدوا لتأمين مستلزمات التدفئة من المازوت والكاز والحطب، فكل بيت أمن احتياجاته لأسبوع كامل بالإضافة لتخزين الخبز والمواد الغذائية والخضار.
يقول يوسف الأحمد أحد ناشطي المدينة :” لم يحدث أي عمل من قبل المؤسسات العاملة بكفرنبل أو خارجها، فكل سنة تشهد المدينة عواصف متفاوتة القوة، ولا أحد يتخذ أي إجراء، نحن معتادون على الأمر”.
وعن الخبز والمواد الغذائية يضيف:” استعدت الأفران بتخزين كميات كبيرة من الطحين، إلى جانب تضاعف ساعات العمل، لتأمين الكميات المطلوبة، والأمر مشابه بالنسبة لمحلات المواد التموينية”. مضيفاً:” من يملك المال يشتري ويدفع، والأشد فقراً يستدين، الناس يعيشون كل يوم بيومه دون التفكير لما هو أبعد”.
أما الجيش الحر ومن بعد سيطرة جبهة النصرة على المدينة بشكل شبه كامل، أصبحت مهمته الوقوف عند الحواجز على مداخل ادلب مع دوريات ليلة، وتنظيم السير، وتكثف نشاطه بشكل ملحوظ منذ بداية العاصفة، في المدينة التي تخلو من الجبهات، والتي كان آخرها وادي الضيف، حيث انتقلت بعض كتائب الحر بعد تحريره للعمل في حلب كما يؤكد يوسف.
مأساة المخيمات
إلى جانب ذلك، نشرت مجموعة من النشطاء السورين نداء استغاثة عاجل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، نتيجة الأوضاع المأساوية في مخيم أطمة للاجئين السورين على الحدود التركية، وجه إلى المجالس المحلية في شمال ادلب وريف حلب الغربي، والدفاع المدني، بالإضافة إلى مديريتي صحة حلب وادلب الحرتين والشرطة الحرة والفصائل العسكرية، داعين إلى ضرورة التدخل الفوري لإخلاء ونقل الأسر المتضررة إلى المدارس والجوامع والمستودعات المؤهلة في القرى والبلدات القريبة. مع انتشار هاشتاغ أنقذوا النازحين في المخيمات.
ونتيجة لذلك، استجاب فريق الدفاع المدني في محافظة إدلب للنداء بعد ساعات من نشره، يقول “مجد خلف” مسؤول الإعلام والتواصل في الفريق:”خلف أسوار المخيم أناس كادت أن تفقد حياتها، بسبب العاصفة الثلجية، وقبلها الأمطار الكثيفة التي أوقعت أعمدة الخيم فوق رؤوس قاطنيها، في أماكن إيوائهم، التي تحوّلت إلى مأساة مستمرة بعد هبوب العاصفة”.
وأضاف: “توجهنا صوب المخيمات لتقديم ما يمكن من مساعدة للنازحين السوريين المتضررين بفعل العاصفة هناك، فمن إدلب توجهت فرق من سراقب، سرمين، بنش، معرة مصرين، كفر تخاريم، مصطحبين معهم فريق إسعاف سراقب إلى مخيم أطمة للنازحين، وكان بانتظارهم هناك فريق مركز أطمة للدفاع المدني، وقاموا بإجلاء النازحين الذين تعرضت خيامهم للأضرار، ونقلهم إلى داخل مناطق سكنية قريبة كـسرمدا ومدينة أطمة”.
أما في مخيم (حمام الشيخ عيسى) بريف جسر الشغور، تلقى الدفاع المدني نداءً من الأهالي هناك، حيث فاض عليهم نهر العاصي، وتوجهت إحدى الفرق للمكان وفتحت الطريق، وأمنت لسكان المخيم مياه الشرب وبعض المستلزمات التي قطعت عنهم منذ أمس الأول”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث