ثائر الزعزوع/
لعل الكثيرين لاحظوا أن الحديث عن حل “الأزمة” في سوريا توقف، وباتت جميع الحلول شبه معلقة. لم يعد أحد يظهر ليقول، ولو ذراً للرماد في العيون، إن مأساة الشعب السوري يجب أن تنتهي، مثلما كانوا يفعلون قبل أشهر قليلة، ثلاثة أشهر ربما. بل يمكننا أن نلاحظ أن بعض المحللين والكتاب السوريين المحسوبين على الثورة باتوا أقرب إلى الاقتناع بضرورة الحديث في أشياء أخرى، مثلاً خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقد نجد لهم عذراً لأن القنوات الفضائية العربية والعالمية والصحف الكبرى انشغلت كلياً عن الشأن السوري، وصارت تذكره على أنه مجرد خبر عابر. يعني هو حدث اعتيادي يتم تناوله كما يتم تناول النشرة الجوية، وقد يتم الاهتمام به قليلاً في حال حدوث متغير ما، كأن ترتفع درجة الحرارة بشكل مفاجئ، وهي في حالتنا مزيد من الموت والدمار والقتل.
النظام يبدو مطمئناً، فلم يعد أحد يهدده. اقترب شهر آب أغسطس وهو الموعد النهائي الذي حدده وزير خارجية الولايات المتحدة قبل أشهر للنظام كي يبدأ عملية الانتقال السياسي، لكني أكاد أجزم أن السيد كيري نفسه نسي هذا الموعد، ونسي ما قاله، فهو يتحدث كثيراً، مثله تماماً مثل رئيسه.
وزير الخارجية السعودي السيد عادل الجبير بات مقتنعاً أنه لا أحد في العالم يريد مد يد العون للشعب السوري، وصار وحده كمن يغرد خارج السرب. وبعد أن وقفت واشنطن في وجه المشروع السعودي لإرسال قوات عربية لمحارية تنظيم داعش، صار لزاماً على المملكة أن تحارب الإرهاب الذي تم تصديره إلى أراضيها. الحوادث الإرهابية في المملكة ستجعلها تنشغل أكثر بشأنها الداخلي، على الرغم من أن صانعي القرار في الرياض يدركون أن الخطر الأكبر الذي يهدد بلادهم سوف يأتيهم من سوريا، التي تحولت إلى ملاذ آمن لكافة الإرهابيين الذين يتحرك بعضهم بتوجيهات إيرانية. وليس خفياً على أحد العداء الذي تظهره إيران لكل ما هو عربي، وخاصة السعودية..
بعض الحكومات الأوروبية والتي كانت تناصر، وإن شفاهياً، ثورة السوريين، تبدو الآن في حيرة من أمرها، وهي تخشى عواقب خروج بريطانيا من الاتحاد وآثار ذلك على مستقبل دولهم واقتصادها، وهو الأمر الأهم بالنسبة لهم.
من أيضاً؟
حسناً، بقيت تركيا، وهذه حكايتها حكاية، فبعد أن تحول الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى قائد بطل لدى بعض السوريين، فكان يتحدث بلسانهم، ويرسم خطوطاً حمراء ويهدد ويتوعد، هبط فجأة من ذلك المنصب بعد أن عاد ليطبع علاقاته مع إسرائيل ثم ليعيد الود المقطوع مع روسيا، والذي كانت سوريا سبباً في انقطاعه في أعقاب قيام القوات التركية بإسقاط طائرة سوخوي روسية كانت تقصف المدنيين في سوريا. وبدا أن الرئيس التركي قد باع السوريين كما كتب أكثر من معلق ومدون، متناسين أن السيد إردوغان هو رجل سياسة أولاً وأخيراً، وأنه يعمل لمصلحة بلاده، وإلا فإن الشعب التركي سينتفض عليه وسيطالبه بالتنحي، وقد تقوم ثورة ضده.
إذاً، ومن خلال هذه الجردة السريعة نكتشف أنه لم يبق معنا أحد، حتى ولو شفاهياً؛ نحن وحدنا في مهب الريح، بينما نظام دمشق ما يزال محاطاً بمناصريه وحلفائه، بل إنه اعترف بكل صفاقة، في لقاء أجراه معه تلفزيون استرالي، بأنه يعمل مخبراً، من تحت الطاولة، لدى بعض أجهزة الاستخبارات العالمية، وأنه يقدم لهم تقارير يطلبونها منه، ولهذا فهو يبدو مطمئناً. حتى أنه ولشدة اطمئنانه، تجرأ وأعلن في أول أيام عيد الفطر تهدئة في كافة الأراضي السورية، على الرغم من أنه يدرك أنه لا يستطيع فرض مثل هذا الأمر لأن القرارات تصدر أصلاً من موسكو وطهران وليس من دمشق، إلا أنه صدق نفسه بسبب غياب الطرف الآخر.
والآن هل تريدون أن نفكر فيما تفعله المعارضة السورية، ومع إني أتحفظ على تسمية أولئك الأشخاص الذين يتنافسون للظهور أمام عدسات الكاميرات، معارضة، إلا أنه واقع الحال الذي أجد نفسي مضطراً للتعامل معه، لا اعترافاً ولكن لتوضيح الصورة. المعارضة الموقرة لا تمتلك قرارها أصلاً، دون أن أستثني واحداً منهم، فهم جميعاً يدورون في فلك المانحين والمشغلين، وهم ينتظرون الأوامر والتوجيهات. وعلى الرغم من بحر الدماء الذي روى الأرض السورية إلا أنهم لم يستطيعوا أن يتعلموا درساً واحداً، ولا أن يتحولوا من تابعين إلى قادة.
والآن ماذا بقي لنا؟
ثمة مشهد عرضته إحدى القنوات الفضائية لمجموعة من الأطفال في واحدة من المناطق المنكوبة، أولئك الأطفال كانوا يلعبون رغم الخوف والقصف والدمار، كانوا يغنون ويبتسمون، وكانت أصوات ضحكهم أعلى من أصوات القصف، أولئك الأطفال لا تعنيهم انتخابات أمريكا، ولا خروج بريطانيا ولا أي شيء آخر، أولئك فقط يستطيعون أن يقولوا إن بشار الأسد سقط وانتهى، وإن المستقبل ستصنعه عيونهم الحرة المليئة بالحياة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث