رانيا مصطفى
نستقبل عاماً سورياً نازفاً جديداً. لم تنجز الثورة فيه، على الصعيد السياسي شيئاً، سوى الفشل. رغم أنها أنجزت الكثير بوصفها تجربة عاشها الشعب واكتشف خلالها الكثير عن نفسه، وعن نظامه، وعن نخبه السياسية والثقافية، وكذلك الكثير من الخبرة السياسية التي لم يكن يملك منها شيئاً. لكن كل ذلك لم يكفِ لتستمر الثورة. فقوى الثورة المضادة كانت أقوى من أن تتغلب عليها خبرة الشعب السياسية المكتسبة على عجل. وهمجية النظام، بل وتفننه في القتل والترهيب، كان أقوى من أن يدركه عقل. وكل ذلك محمي بسياسات إمبريالية من القوى العظمى والإقليمية، سواءَ دعمت النظام أو دعمت قوى الثورة المضادة.
النظام وحلفاؤه قالوا من البدء أنها ليست ثورة، وأنها جهادية وسلفية، وأنها مؤامرة عالمية. الثورة كانت في عاميها الأولين ثورة شعبية، مدنية ومسلحة؛ عمل النظام والمعارضة معاً على تحويلها إلى الجهادية وإلى التبعية الكاملة لمصالح القوى العالمية. بات هذا أمراً واقعاً في 2014. النظام أخرج الإسلاميين من سجونه ليكونوا قادة المجموعات السلفية في كل أنحاء البلاد، وأنشأ النصرة في مطلع 2012، ودعم تنظيم الدولة وتعاون معه على ضرب الاحتجاجات وكل التوجهات الوطنية. لكنه لم يعد مسيطراً ومتحكماً في تلك التنظيمات الجهادية، فقد اشتد عودها وقويت، نتيجة الدعم المالي الإقليمي، وباتت مخترقة من مخابرات كل الدول المعنية بالشأن السوري، والتي تريد إنهاء الثورة.
عام 2014 كان عام هزيمة الثورة، حيث خُلقت داعش في قلبها، لتبرير سياسات التدخل العالمية في سورية، ليس لصالح الشعب الذي يقتل بإرهاب النظام وحلفائه، بل لصالح دعم استمرار حرب الاستنزاف هذه بين النظام وبين مختلف التنظيمات الإسلامية، وقلة من الجيش الحر، والضحايا هنا بالجملة، حيث توقفت المنظمات الإنسانية عن إحصائها.
المعارضة لم تفهم ذلك؛ فقد اكتفت بالقول إن النظام مجرم واستبدادي وطائفي، ولا بأس بالاستعانة بالقوى “الشيطانية” لإسقاطه، فأيدت التنظيمات السلفية والأصولية في الثورة كالجبهة الإسلامية، وكذلك جبهة النصرة، وأثنت على عملياتها الجهادية، وهي التي كانت منبعاً لمقاتلي تنظيم الدولة، ولم تأبه لسلوكها المخرب في التحكم في الشعب الثائر. إضافة إلى أنها استمرت في سياسة اللحاق بالقوى الدولية الداعمة لقوى الثورة المضادة، لطلب الحلول للأزمة السورية، بدلاً من تقديم الدعم للشعب ومهجريه ومعتقليه. المعارضة والدول الداعمة لها شاركت النظام وداعميه في وأد الثورة.
وأسوأ ما تقدمه المعارضة هو اعتبارها الطائفية السياسية أمراً ملزماً في سورية، وفي أي حل سياسي قادم. وبالتالي الحكم القادم في سورية هو محاصصة طائفية، أو أقلها هو حكم الأكثرية الطائفية، إسلامية أو ليبرالية، مع مراعاة تمثيل الأقليات. هنا يتقارب الإسلاميون و”العلمانيون” في المعارضة في هذه الرؤية البائسة.
تتوحد مجموعات من الجيش الحر هنا وهناك، وتطرح نفسها بديلاً عن جيش النظام، وقوة لمحاربة داعش والنظام معاً. لكنها كلّها لم تخرج من إطار المراهنة على الدعم الخارجي عبر إقناع الغرب بعلمانيّتها واعتدالها. الأمر الذي لا تنوي القوى العظمى والإقليمية دعمه، كون سقوط النظام على يد القوى الثورية، وكذلك إنهاء الجهادية هي أمور ليست في مصلحتها الآن. فهي تريدها أن تحصل بشروطها، أي بعد تحويل سورية إلى دولة فاشلة لا تقوم لها قائمة.
أمريكا متزعمة الحرب على الإرهاب، هي داعمته أيضاً. دعمت تنظيم القاعدة من قبل في أفغانستان، وفي العراق دعمت أبو مصعب الزرقاوي، كأداة طائفية تكفيرية وجهتها ضد الجماعات الوطنية التي كانت تقاتل الاحتلال الأمريكي نفسه. اليوم في سورية هي تدعم داعش. كل ذلك من أجل تبرير سياسات التدخل الإمبريالية في شؤون العالم. وبالفعل باتت داعش تنظيماً حقيقياً على الأرض يهدد الشعب السوري والشعوب المحيطة، وبالفعل بات التدخل الأمريكي، والاتفاق بين الدول العظمى، أساساً لحل الأزمة السورية.
الحرب استنزفت النظام أيضاً، هو الآخر بات مهزوماً. لم يعد يملك المقاتلين، وحاضنته الشعبية تتخلى عنه بعد العدد الهائل الذي قدمته من الضحايا. بات يسوق الشبان في سن الاحتياط مرغمين إلى القتال، وتصاعدت الهجرة، حتى كادت البلاد تخلو من الشبان. بل بات مضطراً إلى تجنيد من قاتلوا في الجيش الحر، مقابل تسوية أوضاعهم.
اليوم الشعب مهزوم؛ مهزومٌ من النظام الذي يوشك على الانهيار، ومهزوم من قوى الثورة المضادة، الجهادية والطائفية، ومهزوم من المعارضة التابعة لسياسات الدول الإمبريالية، ومهزوم من القوى العظمى، وإن تشدقت منظماتها بحقوق الإنسان والحيوان! ومهزوم من القوى الرجعية العربية والإقليمية، وإن ادعت دعمها له. الشعب مهزوم أيضاً من نخبه الثقافية والسياسية التي ظلت مشتتة طوال سنوات الثورة، واليوم أعلنت عجزها وعجز الثورة تماماً، واختارت الهجرة والتشتت في دول أوروبا، بدل العمل في تنظيمات سياسية تفهم مشكلات الشعب، وتحدد أهدافه الجامعة، وتعيده إلى الثورة، وتكون في قيادته.
لا شيءَ مستحيلٌ الآن، ولا خيارَ لمن تبقى من الشعب سوى العودة إلى الثورة. لكنها عودة مشروطة بتنظيم وتوحيد أكثر لصفوف الشعب، وتحديدٍ للأهداف الجامعة، في إسقاط النظام، وفي دولة علمانية وديمقراطية، ذات اقتصاد منتج يضمن توفير فرص عمل، وتحسين الأوضاع المعيشية، بعيداً عن التحكم الخارجي. وما هزيمة اليوم سوى تجربة تعلم الشعب من قساوتها الكثير.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث