حلب- مصطفى محمد
فتحت حادثة مبايعة”عبد الباسط الساروت”، أيقونة الثورة السورية، لتنظيم الدولة من عدمها، الباب على مصراعيه أمام العديد من التساؤلات حول حجم الحاضنة الشعبية، التي بات ينعم بها التنظيم، ومدى تغلغل فكر التنظيم في الساحة السورية. ولن نصم آذاننا، أو نتعامى عما نراه أمامنا، من مد شعبي يحظى به تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، فوق بعض الأراضي السورية التي تقع ضمن نفوذه، فقد تحول هذا التنظيم رويداً رويداً من تنظيم دخيل، وبأعداد قليلة من جنسيات مختلفة، إلى تنظيم سوري يحظى بتأييد الآلاف من أبناء تلك المناطق.
ومع عدم التوصل إلى حلول للأزمة السورية، مقابل ازديادٍ وارتفاعٍ في حجم الظلم التي يتعرض له الشعب، وإحباطٍ لدى البعض من تحقيق انتصار على النظام، الذي أسهم عبر تصرفاته الطائفية، ومنذ اليوم الأول من عمر الثورة السورية، في تقوية شوكة هذا التنظيم، حتى باتت الحركات الأصولية هي المستفيد الأول من ضبابية الحل. ومن هنا فقد بدأ فكر التنظيم بالانتشار في الشارع السوري، الذي يشعر بالمظلومية، بعد أن زادت تعقيدات المصالح الدولية من مظلوميته.
الولع بالأقوى
“يزداد ضعف الفصائل الثورية المعتدلة، مع بقاء تنظيم الدولة الأقوى حالياً، ويتضخم توغل الأيديولوجيا المتطرفة في الثورة. بل وأبعد من ذلك، تغيب الانتصارات العسكرية الهامة التي تشهدها الساحة العسكرية عن فصائل الاعتدال، ويقتصر تحقيقها على الفصائل الأيديولوجية فقط، من كلا الطرفين، بدءاً بانتصار حزب الله العقائدي “القصير”، مروراً بانتصار التنظيم في مطار الطبقة، وانتهاءً بالانتصار الأهم، والذي حققته النصرة، في وادي الضيف”، هذا ماقاله الخبير الاجتماعي محمد نعمة.
ويضيف نعمة، في حديثه لـ”صدى الشام”، “من وجهة نظر علم الاجتماع السياسي، فإن الشغف يتوجه دائماً نحو الأقوى، والتنظيم الآن هو الأقوى بين الفصائل، لذلك من الطبيعي أن يتوج هذا الشغف بالانتساب للتنظيم”.
ويوضح، “كان لابد من تصرفات فعل النظام الطائفية، أن توجب ردة الفعل، وبالتالي الذهاب إلى تطرف مماثل، وقوة سمها ما شئت، أي تنظيم الدولة هنا كانت تحصيل حاصل، لمجازر زلزلت الشعب السوري، واغتصابات، وانتهاكات، تغاضى عنها العالم، ارتكبتها قوات مؤدلجة”.
ويعلّق نعمة بالقول: “لن يطال أحد من التنظيم، لطالما هناك خامنئي يطل من الشرق”، ويؤكد نعمة على فشل الحركات الدينية السياسية، مشيراً إلى فشل كل الحركات التي أخذت من الشعارات الدينية شعاراً لها عبر التاريخ القديم والمعاصر.
فشل حركات الاعتدال
أما الإعلامي زكريا النجار، وافق رأي نعمة السابق، وألقى باللوم في ازدياد المد “الداعشي”، على ماوصفها بـ”الحركات التي تدعي الاعتدال” والأحزاب الدينية، مؤكداً على أن الثورة السورية باتت بين مطرقة التنظيم، وسندان غيرها من قوى التطرف على الأرض.
وعبّر عن تخوفه من تغلغل الأصولية في الفكر السوري، بعد أن شجعها كلٌ من النظام، عبر تصرفاته، وبعض الفصائل المعارضة للنظام أيضاً. وقال:”كل الفصائل التي نهجت نهجاً معتدلاً منذ بداية الثورة، تمت محاربتها من أطراف لم تكن متشددة بنظر البعض، وذلك بعد أن أخفت تشددها”، مؤكداً على فشل الثورات الدينية، لأن الثورات الناجحة لها وازع إنساني فقط.
ووفق النجار، إن “الضغط الذي يمارس على الشباب الثائر كبير جداً، وخصوصاً بعد الفشل العسكري لقوات المعارضة، سيما وأن التنظيم يدغدغ الشعور الديني الذي ترتفع نسبة الاستجابة له عند حالات الظلم”.
واعتبر أن، “كل من ينضوي تحت عباءة التنظيم، هو شخص لم ينتمِ لهم بمحض إرادته، بل ردة الفعل هي من أرغمته، وإخفاق القادة”. محذراً القادة عبر “صدى الشام” من تحول المقاتل إلى طرف التنظيم، في حال لم يتم تدارك فشلهم معلّقاً بالقول “لايجب لوم “داعش” على نجاحها في مسعاها، بل يجب لوم أنفسنا على مساعدتها، وعلى عدم احتواء شبابنا”.
تحيز دولي ساهم بالدعاية
تزامنت أولى الضربات العسكرية التي تلقاها التنظيم في شهر سيبتمبر/أيلول، مع انتشار موجة من التعاطف الشعبي مع التنظيم، حتى بين مقاتلي المعارضة، الذين اعتكف الكثير منهم عن قتال التنظيم، بعد شعورهم بمظلوميته، وعدم عدالة هذه الضربات التي يستحقها النظام، حسب رأيهم.
لم ينته الأمر عند الشعور بالتعاطف، بل شهد التنظيم انتعاشاً في أعداد المنتسبين الجدد، وهذا بحسب مصدر من داخل التنظيم، رفض الكشف عن اسمه.
ويضيف نفس المصدر، “من الصعب القضاء على التنظيم، لأن التنظيم بات في حالة انصهار تام مع الحاضنة الشعبية”. وعزى المصدر ذلك الانصهار إلى السياسات السليمة التي ينتهجها التنظيم، من “إحقاق للعدالة، ومحاربة للفساد”.
ووفق المصدر نفسه فإن، “نسبة العناصر السورية داخل التنظيم، تفوق الـ 80%، على أقل تقدير”، مشيراً إلى أن التنظيم في أحسن أحواله الآن.
إلى ذلك يستفيد التنظيم من التطرف القومي الذي يبديه بعض أكراد سوريا، وخصوصاً عبر تصريحاتهم المثيرة للجدل، عبر انتقادهم للسنة، وتحميلهم مسؤولية التنظيم للدين الإسلامي في مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بعد الهجمة التي قادها التنظيم على مدينة كوباني، في الشمال السوري.
إغراء على كافة الأصعدة
لم يجد الناشط “كامل حمدولي”، وهو الذي يقطن إحدى مناطق التنظيم، وصفاً لتصرفات التنظيم في المناطق التي يسيطر عليها سوى “الإغراء”، ويوضح بالقول، “صار واضحاً للجميع بأن التنظيم يمارس سياسات ثابتة، غير اعتباطية، في إدارة الأراضي التي يسيطر عليها، وإحقاق العدالة، وهذا ماأكسبه ود الشارع”.
ويرى حمدولي أن، “التنظيم أجاد في توظيف الأموال التي يمتلكها، على عكس الجيش الحر، وذلك لجهة تخصيص رواتب وأجور مغرية لمقاتليه، تصل لـ60000 ليرة سورية شهرياً”.
ويضيف في حديثه لـ”صدى الشام”، “يمتلك التنظيم المال والإعلام، المتمثل بالمساجد التي لايتوانى التنظيم عن زجها في ماكينته الدعائية، من خلال الخطب الرنانة التي تعزف على الوتر الديني، والاعتماد على الوقائع التي تثبت فساد بعض فصائل الجيش الحر، وعدم حسن تصرفها”.
مستقبل التنظيم
تصعب التكهنات حول مصير وعمر التنظيم في الفترة المقبلة، إلا أن المقاربة التاريخية قد تعطينا مؤشرات على فشل مثل هذه الحركات عبر التاريخ.
بالمقابل، لا يوجد قوى ديمقراطية ثورية يعوّل عليها، على الأقل في الوقت الراهن، قد تحل محل التنظيم. والمعارضة السورية، بشقيها السياسي والعسكري، أظهرت عدم النضج، لذلك قد تفضي الظروف الراهنة وحالة عدم التنسيق الكامل فيما بين فصائل المعارضة إلى إحباط ثوري في صفوف الأطراف المعتدلة، مقابل تصاعد للتنظيم، في المستقبل القريب على الأقل.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث