دمشق–ريان محمد
يودّع السوريون قريباً عامهم الرابع، الذي قضوه، كسابقيه من الأعوام، في ظل صراع دموي، لم يترك عائلة إلا وصبغها بصبغة مأساوية، بعدما عانى ملايين السوريين من قتل وجرح واعتقال وخطف وتشريد داخل وخارج البلاد، ولكن، وبالرغم من كل ما سبق، لا يزال هناك من يبحث عن الفرح
بين أزقة دمشق، ليشعل، بدون كهرباء، أضواء الميلاد في قلبه المتعطّش للاحتفال.
“قلة هي المطاعم التي ما زالت تفتح أبوابها في دمشق، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمر على السوريين، فلم تعد الحركة كما كانت سابقاً“، يقول أبو فراس، مدير أحد المطاعم في باب توما، ويتابع “لكنيبقى للأعياد طابعها الخاص الذي يفرض نفسه، فنحن، على سبيل المثال، أغلقنا الحجز لحفلة عيد الميلاد قبل يومين منه، ولم يعد لدينا كذلك أماكن لحفلة رأس السنة، الناس تريد أن تفرح“.
من جانبها، قالت هدى، موظفة في دمشق، “سنحتفل في رأس السنة، أنا وزوجي، في أحد مطاعم دمشق. نعم قد تكون الحفلة مكلفة قليلاً، لكننا نشعر أننا يجب أن نفرح ولو ليوم واحد، فقد تعبنا من الحزن والموت اليومي“.
وأضافت“ليسلدينا أطفال، وهذا ما قد يسهل علينا أن نحتفل، أتمنى إن استقبلنا العام الجديد بالفرح أن يكون عام خير، علينا وعلى السوريين جميعاً، يكفينا قهراً وموتاً وخراباً، أتمنى إن رزقت بولد ألا يأتي على صوت الرصاص والانفجارات، أعتقد أن الناس يرغبون باستعادة حياتهم السابقة، لكن ليس وهم مكسورون، فلا أعتقد أن أحداً سيرضى أن يعود إلى ما كانت عليه الأوضاع قبل 2011، أتمنى أن تنتهي الأزمة، وأن نتخلص من الاستبداد، لنبني دولة القانون والعدالة“.
من جهته، قال جوزيف، من باب توما، “لم يعد من الممكن النظر إلى الحياة في دمشق بشكل منطقي، فالموت برصاصة أو قذيفة أصبح أمراً مألوفاً، وصرنا نشكر الرب عندما يموت أحد ما ميتة طبيعية، لكن في المقابل الحياة تستمر، وأصبحت التفاصيل المفرحة ذات أهمية أكبر مما كانت عليه في الماضي، فالناس تتلقف أي خبر مفرح من زواج أو ولادة مولود جديد، أو حتى يوم ميلاد أحد أفراد الأسرة أو الأصدقاء، ليتحول إلى مناسبة سعيدة“.
ويتابع“بعد مرور عيد الميلادومع اقتراب عيد رأسالسنة، لاحظت أن هناك رغبة جادة للناس بالاحتفال، وخاصة الشباب، الذين تستهلك الأزمة أجمل أيام عمرهم“، موضحاً أن “الرغبة بالفرح والحياة شيء والقدرة على الحصول عليها شيء آخر، فمعظم المجتمع يعاني من ظروف اقتصادية سيئة للغاية“.
بدورها، قالت زهرة، من دمشق لـ “صدى الشام“، “فيما مضى كنا ننتظر نهاية العام لنجتمع مع العائلة والأصدقاء، لكن في السنوات الأخيرة أصبحنا نفقد بين اليوم والآخر أفراداً من عائلتنا والعديد من أصدقائنا، فبعضهم غيبهم الموت، وآخرون غادروا البلاد، ومن بقي يحلم بالسفر“.
وأضافت“لقدأصبحت الحياة صعبة في سوريا، فهي عبارة عن هموم تبدأ صباحاً من تأمين المياه والخبز، إلى الغاز والمازوت، في ظل انفلات الأسعار. الشباب لم يعودوا مستقرين، فإما تراجعت أعمالهم أو توقفت، إضافة إلى مشكلة ملاحقة الشباب لسوقهم إلى الخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياطية، في وقت تزداد فيه القيود الموضوعة على سفر الشباب، ما يدفعهم للهرب سريعاً خارج البلاد. سوريا تفرغ من أبنائها، والمتبقون إما كبار في السن أو لا يستطيعون الخروج لأسباب عديدة، اقتصادية كانت أو أمنية“.
“صدى الشام” تجولت في أرجاء دمشق، مروراً بحيي باب توما والقصاع، الذين كانا سابقا في مثل هذه الأيام، محجّاً لمن يريد أن يمتّع نظره بزينة الأعياد
والأضواء المتلألئة، فقلما تجد منزلاً إلا وأعلن الفرح بشجرة الميلاد وأسلاك الإنارة، التي تتخذ أشكال عربة بابا نويل وعبارات المعايدة. أمّا الآن فلم تجد الشوارع
كما عهدها السوريون، فالزينةشبه معدومة، والحركة في الأسواق عادية، إذ أنّ رجال الدين قد أوصوا بعدم إظهار مظاهر الفرح والاحتفال مراعاة للأوضاع التي تمر بها البلاد، وتخفيفاً للتكاليف المادية؛ فالأوضاع الاقتصادية لمعظم العائلات السورية سيئة. وقد يكون انقطاع الكهرباء لفترات طويلة، دعم هذه التوجيهات، فمن يضع زينه قد لا يتاح له أن يضيئها، إضافة إلى غلاء أسعار مواد الزينة والحلويات والملابس.
وفي ظل هذه الأجواء شكلت مطاعم ومقاهي دمشق جزرَ فرحٍ، امتزجت فيها أصوات الأغاني والموسيقى بأزيز الرصاص ودوي المدافع، في وقت خلت الشوارع إلا من بعض السيارات العابرة، على أمل أن يعود الفرح للسوريين الحالمين بالحياة الحرة الكريمة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث