الرئيسية / رأي / مجزرة الناشطين الستة

مجزرة الناشطين الستة

عمّار
الأحمد

اعتقل
بتاريخ 30-12-2013 تسعة ناشطين مدنيين في مدينة دمشق، ولم
يحملوا سلاحاً أبداً، ولم يقتلوا أحداً، ولم يصدر عنهم موقفٌ جهاديٌ أبداً. التسعة
وعشرات أخرون، لعبوا دوراً “تثويرياً” في دمشق من أواخر 2011 وطيلة 2012
وبعض أشهر من 2013 إلى أن امتنعت دمشق عن الاستجابة لهم.

في
المعتقل كانت التهمة: إنكم تنظيم إرهابي. تنظيم قام بمجازر ضد الموالين. في فرع
الأمن العسكري 215 بدأ الموت يلتهمهم واحداً واحداً. وكان بين المعتقلين أخوان
استشهدا. وبينهم شاب أخوه شهيدٌ، استشهد أيضاً. استشهد ستة من هذه المجموعة. فعلوا
ما فعله كل السوريين في السنة الأولى للثورة، وبقوا على الطريق ذاته. أي خيار الثورة
السلمية.

إذاً، كما
حال هذه المجموعة فإن كل المدن والبلدات السورية شهدت موجات اعتقال لم تتوقف منذ
اليوم الأول للثورة. الاعتقال هذا والخوف منه لا يزال سيفاً مسلطاً على الرقاب.
الفارق أن الاعتقال تحول إلى موت مؤكد، أو تغييب بلا أمل بإفراج قريب. ورغم كثافة
الموت وانعدام أي ثقة بالسلطة وأجهزتها، ولا سيما الأمنية، فإن عمليات أسر
المعتقلين تتعرض لابتزاز مالي من تلك الأجهزة. وتُدفع مبالغ مالية طائلة للإفراج
عنهم. ويندر أن يحصل ذلك، ولكنها تحقق مردوداً مالياً ضخماً لهؤلاء الضباط، الذين
يداعبون خيال الأهالي بأن يروا أولادهم أحياءً، سيما أنهم فقدوا أي أمل أن يروهم
ولو أمواتاً.

المشكلة
تعقدت في سورية، وأصبح الناشطون المدنيون يعتقلون، ليس من قبل النظام،بل ومن
الفصائل الجهادية، ويتلقون أشكال التعذيب ذاتها، وهناك ما هو أدهى وأمرّ. وهذا ما
فرض على من تبقى منهم الصمت والانتظار، أو هاجروا تاركين البلاد، ومنهم من طلّقها
دون عودة، ومنهم من ظل يأمل بالعودة في يوم ما.

الناشطون
الثوريون فشلوا في أن يتعلموا من إخفاقاتهم، فبقيَ نشاطهم فردياً، أو شللياً، وفوق
ذلك فوضوياً وبلا أي خطة نظرية أو عملية متماسكة. وهذا حال الشباب الناشط والثائر
في عموم بلدات الثورات العربية. الجهاديون في سورية، كانوا أذكى منهم ومن كل
المعارضة السياسية في مسألة التنظيم وتحديد الأهداف، فلذلك دخلوا اللعبة السياسية،
وبالتنسيق مع الدول الإقليمية، وراحوا يشيدون مشاريعهم على أنقاض الثورة وعبر
اجتثاث الناشطين. المعارضات العربية مع بقايا الأنظمة كانوا أذكى من الثوار
واليسار، وفي مصر كانت الدولة القديمة أذكى من الإسلاميين المتلهفين لالتهام
الدولة ومن المعارضة والثوار واليسار بالتحديد. الجهاديون منظمون ويمتلكون رؤية
متماسكة نظرية وعملية، من أفغانستان والعراق وغيرها، وهم جزء من تنظيمات إرهابية
عالمية. إذاً لا خيار للناشطين كي يتجاوزا ضعفهم وفوضويتهم إلا الاستفادة من كافة
القوى المنظمة من قبل، أو العودة إلى دراسة طرق التفعيل المجتمعي والسياسي المنضبط،
ودون ذلك خسارات متتالية.

التعقد
المستمر للثورة يتطلب تحديد مشكلاتها بدقة كبيرة، ومنها مسألة التنظيم وسريته
وتحديد الممثلين عنه. الشللية في زمن الثورة كارثة عليها وعليهم،وهي تمنع تقدمها وتفشّل
الانضباط والالتزام لرؤية الحركة السياسية ونشاطاتها. العودة إلى خيارات الثورة
الأولى كثورة شعبية وممثلة لكل السوريين وهادفة لنقل سورية إلى مجتمع أفضل، أصبحت
مسلّمة في أي رؤية جديدة للثورة.

الهجرة
التي يُدفع لها الناشطون المدنيون، يجب أن تبقى في حدود الطارئة والاضطرارية، لا
أن تكون الخيار الوحيد. هذا ما يحدث كثيراً، وهي ظاهرة ليست خاصة بالناشطين، بل
وبكثير من الأفراد المنتمين للطبقات المتوسطة والأغنياء، ورغم مخاطر الهجرة (الموت
في البحار، والتشرد، والاغتصاب، وسوى ذلك كثير) فإنهم يندفعون إلى ذلك. المهاجرون
الثوريون، والذين تركوا البلاد بسبب الضغط الأمني عليهم وبسبب تأييدهم للثورة، هم
هدف المقال. وإن هناك ضرورة لتجاوز الأمراض النفسية كالذاتية والأنانيةالمتضخمة؛ حيث
الحقيقة تقول: دون ثورة الشعب لما كان لنشاطهم أن يكون، ودون ذلك لبقوا شللاً
معزولة عن المجتمع. نريد القول: إن تضحيات الناشطين جديرة بالتقدير، ولكنها ستكون
استمراراً لحياتهم السابقة، ما لم يعيدوا النظر بكل آليات نشاطهم وتحديداً أخطاءهم
ويتجاوزونها.

وجود
فاسدين في هذا الوسط ليس موضوع المقال، فهم كانوا كذلك وسيستمرون وفق ما كانوا.
المقال مخصص للجادين فقط. هؤلاء الذين شاركوا بالثورة لتنتصر، ويحلمون كما الشعب
بغدٍ جديد. هذه الفئة بالتحديد،كما لعبت درواً هاماً من قبل، الواقع يستدعي ضرورة
أن تعود لدورها الثوري، وذلك من أجل المعتقلين والمحاصرين والنساء والمهمشين
وتعليم الأطفال ومعطوبي الحربوإيقاف عبثية الحرب؛ عدا الوظيفة الإعلامية والثقافية
والإغاثة لجذب التأييد للثورة ولمساعدة الناس في سدّ احتياجاتها. هذه القضايا
وسواها، هي ما تتطلب من الناشطين تنظيم نشاطاتهم بشكل ثوري من جديد.

مجزرة
الستة، والآلاف أمثالهم، وهناك مئات الألوف لا يزالون ينتظرون الموت في المعتقلات
والسجون؛ لأجل هؤلاء ولأجل تحقيق أهداف الشعب في حياة أجمل لا يمكن إدارة الظهر
ونسيان البلاد، واعتبار ما قدموه نهاية المطاف والممكن. لا. سورية كي تنتصر على
الاستبداد وكي لا تنتقل إلى استبداد طائفي، أو حروب مستمرة ومشكلات مستعصية عن
الحل كما الدول الفاشلة، تتطلب أن تعيدوا النظر في موقعكم الجديد وتحديد قضايا تجدونها
صحيحة، وتساهم فيإنصاف الشعب والثوار، والذين لا يزالون مستمرينبمقاومتهم في جهات
الأرض السورية. إذا ليتم تفعيل النضال في جهات الأرض لانتصار الثورة.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *