بطول اثنين وعشرين مترا وعرض واحد وعشرين مترا، أي بمساحة أربعمائة وسبعين مترا مربعا، تم إنجاز أكبر لوحة من نوعها بالعالم، مرسومة باليد وبمادة الأكريليك، كقطعة واحدة، وهي أيضا اللوحة الحاملة لأكبر عدد من أسماء الأطفال، لكنها أبدا ليست اللوحة الأجمل والأكثر فرحا، وليست اللوحة التي تمتلئ بأكثر المشاغبات والضحكات، كما نتوقع، لأنها اللوحة التي ضمّت اسماء اثني عشر ألفا وأربعمائة وتسعين طفلا سوريا شهيدا، جعلهم النظام السوري تحت التراب، وذلك حسب إحصائيات “مركز توثيق الانتهاكات السوري”، منذ بداية الثورة السورية وحتى يوم الخامس من شهر تشرين الثاني لعام 2014، وهو يوم إنهاء العمل بهذه اللوحة.
حملت اللوحة اسم “ملائكة سوريا”، وقد قام بإنجازها كل من الفنانين السوريين: حسام السعدي، حسام علوم، وأحمد الضللي والرسام السوري عبد الجليل الشقفي.
حسام السعدي وحسام علوم وأحمد الضللي هم ثلاثة رسامين من الجنوب السوري قاموا في اسطنبول بتنفيذ مشروع هذه اللوحة الضخمة، التي احتاجت لأكثر من ثلاثة أشهر فقط لإيجاد مكان بمساحة تزيد عن الخمسمائة متر وبدون أعمدة، ليتمكنوا من رسمها كقطعة واحدة، وقد استغرق العمل الفني فيها أكثر من أربعين يوما. وكانوا قد أعلنوا عن انتهائهم من رسمها منذ تاريخ الخامس من شهر تشرين الثاني 2014، لكن عرضها الذي كان مقررا في يوم الطفل العالمي في العشرين من تشرين الثاني في نفس العام ألغي لعدة أسباب، منها الأحداث الإرهابية في بروكسل، وعدم تأمين تأشيرات دخول للفنانين القائمين على العمل ليتمكنوا من مرافقة اللوحة أثناء العرض.
وقد استمر تهميش اللوحة وتفشيل محاولات متعددة لعرضها في أوروبا خلال السنتين الماضيتين، وذلك لأسباب عديدة أيضا، سياسية في معظمها كما دل اشتراط جامعة بروكسل قبل حوالي أسبوعين عدم ذكر بشار الأسد كقاتل لهؤلاء الأطفال والتركيز فقط على داعش والقوى الإسلامية على الأرض. وهذا ما يقبله الرسامون، فتم إلغاء العرض.
رفض جامعة بروكسل لم يكن الدليل الوحيد على سياسة الحكومات الأوروبية تجاه ما يحدث في سوريا، والإنكار المتعمد للقاتل الحقيقي، واستبداله بالتركيز المبالغ به على دور التنظيمات الإسلامية المتشددة، ومنها “داعش”، وتحويلها إلى العدو الأول بدلا من نظام الأسد. لكن تاريخ محاولات العرض الفاشلة يدل بكل تأكيد على ذلك.
في الثلاثين من شهر أيار 2016، تم عرض هذه اللوحة للمرة الأولى في الصالة الرياضية في بروكسيل في بلجيكا، وذلك لمدة يوم واحد. واللوحة هي رسم لطفلة سورية على قيد الحياة، وهي بالحقيقية طفلة تحمل ملامح ابنة الرسام حسام السعدي. تحمل الطفلة في اللوحة ساعة كبيرة، لكنها ساعة بدون عقارب وبأرقام معكوسة، بعكس كل الساعات في العالم وذلك للدلالة على استمرار حالة موتهم التي لم تزل تنزف أسماء جديدة في كل لحظة، ودلالة أيضا على توقف الزمن بالنسبة للأطفال الأحياء في سورية، الأطفال الذين يعيشون الآن مع الموت وينتظرون فقط موتهم المؤجل. وللطفلة جناحان كبيران، لكنهما مكبلان بأغلال ضخمة يحكم عليها بقفل مرسومة عليه خارطة العالم، للدلالة الصارخة على أن صمت العالم هو أيضا مسؤول عن قتلهم وعن قتل أجنحة الحرية والطفولة والحياة في سوريا.
لقد كانت فكرة اللوحة الأساسية هي تذكير العالم بحجم الظلم والموت الذي يتعرض له الشعب السوري على يد نظامه القاتل، والعالم المتخاذل، بطريقة لم يتعرض لها أي شعب من قبل. وأن يتم هذا التذكير عن طريق تقديم هذه اللوحة ذات السوية الفنية العالية، وذات الحجم المدهش في بروكسيل في يوم الطفل العالمي أمام مبنى الاتحاد الأوربي لتحريك الضمير الإنساني، وخاصة لما يمثله قتل الطفل من قتل ظالم موجع لكل تفاصيل الحياة ولمستقبل بلد كامل. وقد كان الأمل في أن توجه هذه اللوحة رسالة صادمة إلى عالم أعمى لم يعد يريد أن يرى ولا حتى أن يسمع.
قال حسام السعدي وهو الرسام السوري والمسؤول عن المشروع، أن “ما حصل مع هذه اللوحة يشبه كثيرا ما حصل مع الثورة السورية اليتيمة من تخاذل وإهمال عالمي مقصود، إذ أن هذا العالم قتل أسماء هؤلاء الأطفال مثلما قتلهم نظام الأسد”. وأضاف أن “مجرد كتابة هذا البحر من الأسماء احتاج إلى ما يزيد عن أربعمائة وسبعين مترا مربعا، فأي مساحة من الحياة كانوا سيشغلون لو كانوا ما يزالون على قيد الحياة؟ أو لنقل أية مساحة هائلة يشكل غيابهم؟”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث