الرئيسية / رأي / سورية هامشية على جدول أعمال بوتين وأردوغان

سورية هامشية على جدول أعمال بوتين وأردوغان

عبد القادر عبد اللي 
شطح خيال الصحفيين والمحللين العرب عموماً والسوريين خصوصاً حول المباحثات التي جرت بين الرئيس الروسي بوتين والرئيس التركي أردوغان هذا الأسبوع، ونقلوا أحاديثَ لا يمكن لأحد أن يعرفها إلا إذا كان موجوداً بينهما، ولكن الغريب أن القضية السورية غابت عن التصريحات العلنية، واكتفى الرئيس التركي بإدراج جملة في تعليقه على المباحثات قال فيها: “نحن وروسيا مختلفان في النظرة إلى القضية السورية” وعلى الرغم من أن هذه العبارة تكررت طيلة حوالي أربع سنوات في كل اجتماع بين الأتراك والإيرانيين، أو الأتراك والروس فإنها تثير خيال كثيرين لتأليف سيناريوهات مسلسلات وأفلام كثيرة. 
لقد فاجأ بوتين العالم وتركيا أيضاً بإعلانه من أنقرة أنه علّق مشروع خط الغاز الطبيعي الذي كان من المفروض أن يغذي أوروبا ويمر عبر بلغاريا، واقترح تمديده عبر تركيا ليذهب إلى اليونان ثم ألبانيا فإيطاليا. وانعكس الذهول بشكل جلي ليس على المراقبين فقط، بل حتى على المسؤولين الأتراك فهم لم يكونوا مستعدين لمفاجأة من هذا العيار، وبالطبع فإن هذه المفاجأة فجرت سيلاً من الحروف على شاشات كمبيوترات المحليين والسياسيين “كما أفعل أنا الآن”، ولكن المتابع للشأن التركي عن قرب يعرف أن هناك بعض الأقلام المهمة والمطلعة التي يجب مراقبتها في قضايا من هذا النوع، ومن هؤلاء الكاتب اليهودي التركي المخضرم، وخبير العلاقات التركية الأمريكية الأول سامي كوهين. ففي زاويته لهذا الأسبوع اعتبر أن لعبة بوتين كانت لعبة حاذقة أقدم عليها رجل ماهر بتأسيس الألعاب موجهة ضد الغرب. فروسيا تعاني من أزمة مالية كبرى، والعقوبات الغربية بدأت تظهر مفاعيلها، فجاءت هذه المبادرة بهدف استخدام دولة من الغرب وجزءاً من حلف الناتو هي تركيا في مواجهة الغرب نفسه. 
طبعاً المشروع يحتاج إلى فترة طويلة جداً ليُقرر، فالمسألة ليست شراء كيس بطاطا من الماركت تتم بمجرد الإعلان عن الشراء كما صورها كثير من الكتاب السوريين، وتحتاج تركيا دعماً دولياً كبيراً وواسعاً من أجل مشروع كهذا. 
أراد الغرب أن يكسر احتكار روسيا للغاز من خلال دعمه تمديد خط أنابيب غاز مسال من أذربيجان إلى أوروبا عبر تركيا، وهكذا تنوّع أوروبا بمصادر طاقتها. ولكن عرض بوتين بتمديد الخط الآخر الذي كان من المقرر أن يمر من بلغاريا عبر تركيا خلط الأوراق تماماً، إضافة إلى عروض من كردستان العراق قيد الدراسة لخطوط أخرى عبر تركيا يجعل من هذا البلد نقطة توزيع للطاقة غاية في الأهمية، وتفوق أهميتها أهمية أي دولة منتجة للنفط، فهل يقبل الغرب بمنح تركيا هذا الدور، وهذه المكانة؟ هذا أمر مستبعد حتى الآن. 
المشروع طموح جداً، يحقق لتركيا نقلة نوعية، وقد أبدت تركيا موافقة مبدئية على هذا المشروع، وبحثت مع الجانب الروسي وضع برنامج للقاء الخبراء من أجل تقديم الدراسات اللازمة لخط من هذا النوع، وحتى تنتهي هذه الدراسات ستكون تركيا قد جست نبض الغرب الذي أبدى تحفظه المبدئي أيضاً منذ الآن، وحاولت إقناع هذا الغرب بالمشروع. 
لقد وضع الروس ورقة قوية بيد الأتراك في مواجهة الغرب، فهل تستخدمها تركيا؟ من حقها أن تستخدمها، ولكن ما المقابل الذي تريده روسيا؟ هنا بيت القصيد.. المنطقة التي ضمتها روسيا من أوكرانيا هي القرم، والقرم تاريخياً هي منطقة تركية، ليس المقصود أنها جزء من الجمهورية التركية، ولكنها مثل الجمهوريات التركية التي أقيمت فيها تاريخياً دول تركية، وفيها نسبة كبيرة من الأتراك، وتركيا تسير مع أوروبا بالضغط على روسيا من أجل حل القضية الأوكرانية، فهل المكاسب المالية الضخمة التي تعود على تركيا من خط أنابيب الغاز المسال هذا تُسكت تركيا إزاء بني جلدتها في القرم، كما باع الروس بني جلدتهم البلغار؟ 
هل تشابك المصالح التركية الروسية، والتي تزداد تشابكاً من خلال هذا الخط، تبطل مفعول العقوبات الغربية على روسيا، لأنها ستكون في الوقت نفسه عقوبات على تركيا؟ وبالطبع هذا الأمر تأخذه روسيا على المدى البعيد، لأن هذا يعني أن أزمتها مع الغرب ستمتد عقوداً، وهي ترسم لحرب باردة ثانية. 
إذا كانت أوربا تريد كسر احتكار الروس لسوق الطاقة الأوروبي، ألا يقوّي هذا المشروع الاحتكار الروسي، ويضم إليه الأتراك ليكون أقوى في مواجهة الغرب؟ 
حجم المشروع وأبعاده الاستراتيجية الحقيقية تجعل من سورية آخر ما يفكر فيه الطرفان، وإذا كان الموضوع السوري قد طرح على طاولة المباحثات، فقد طُرح لمجرد عمل روتيني جدد فيه كل طرف موقفه من هذه القضية، ويعرف كل طرف بأن الطرف الآخر لا يمكن أن يتنازل عن موقفه، بمعنى آخر كانت سورية على هامش المباحثات وليست في صلبها هذه المرّة. 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *