عمّار
الأحمد
بدا أنّللإسلام
السياسي دوراً في الثورات العربية. وتبيّن لاحقاً أنّ وظيفتَه إعادة تأهيل النظام
السياسي القديم، مع تغييرات هامشية فيه. يريد السلطة له كاملةً (مصر) أو شراكةً
(تونس)، ويخرّب على محاولات لترتيب السلطة الجديدة
(ليبيا)، إن لم يحظَ بحصة الأسد. هذا الإسلام لا يعنيه وطنٌ (يدعم قطرياً)
ولا يعنيه الشعب، حيث لا حلول للمشكلات. الإسلام السياسي يرفض أقرب حلفائه، أي
السلفيين (مصر). وفي سورية هيمن على المجلس الوطني حالما تشكل. وقد عقد مؤتمره
كأول مؤتمرٍ للقوى الطائفية السورية 2011. ولاحقاً ابتزَّ كثيراً من السياسيين
السوريين، فعقد قسمٌ منهم مؤتمراتٍ طائفية، كي يقال إن كل الطوائف مشاركة بالثورة.
وأن هذه الثورة ثورة إسلامية، وهذا ما يخدم النظام مباشرة. النظام قال هذه ثورة
إسلامية، وهم كذلك، وفي هذا متوافقان لا متناقضان. متوافقان على تحطيم أي شيء جادٍ
للسوريين ما لم يكونوا هم السلطة. دعمتهم تركيا وقطر خاصة، وكانوا ممثلين لمصالحها
ولا زالوا؛ الإخوان والمجموعات الطائفية تقوّي النظام وتحطم الثورات. فماذا فعلت
الجهادية لاحقاً؟ ألم تحتل الأراضي المحررة من النظام بقوة الثورة؟ ألم تفتك
بفصائل الجيش الحر؟ ألم تقم سلطةً شرعيةً، لا شرعية لها إلا بقوة السلاح والمال،
وبمهاجريها الأجانب، الذين يرون سورية أرضاً بكراً لجهادهم المتوهم؟
الإسلامويون
اختلفوا في كل مدن سورية، وقتلوا بعضهم قتلاً شديداً، وهذا جرى بين كافة الفصائل
الجهادية على اختلاف مرجعياتها الإيديولوجية؛ بين داعش والنصرة، وبين داعش وجيش
الإسلام، وبين داعش وحركة أحرار الشام، والجميع مارس سلطةً على الشعب توازي سلطة
النظام الحالي.
الأنكىاعتبار
كل نقدٍ للمشروع الإسلامي السياسي هو نقد للإسلام ذاته. لا، الإسلام شيء، والإسلاميون
شيءٌ آخر. الإسلام دين، ودين فقط. بينما الإسلاميون سياسة، وسياسة فقط. ويشرّعون
أنفسهم بواسطة الدين. هنا الدين يتم توظيفه لغايات مجموعاتٍ محددة: تارة هيالإخوان
وتارة الجهاديون، وتارة بقية المجموعات الأصولية، وتارة إسلاميو النظام… وهكذا.
نقد الإسلام السياسي ضرورةٌ كي تنتصر الثورات، وكي تعود علاقة الناس بالدين علاقةٌ
بالله، وليست بمجموعات سياسية تتلطى خلف الدين وتنطق باسمه وتقتل الناس كممثلة لله
على الأرض. علماً أن الله لم يعطها الشرعية ولا الناس انتخبوها.
السوريون
الثائرون، والذي قاموا بالثورة، رفضوا كل المجموعات الجهادية، وقاتلوها، ولكن،
ولأنهم فقراء ووطنيون ويرفضون تسخير الدين لغايات سياسية وخارجية، ولأن تلك
المجموعات تعمل لصالح الخارج، فقد تقهقر الناس، ومنهم من طاع لهم، ومنهم من هاجر،
ومنهم من فضل النظام، ومنهم من “اعتصم” بمنزله إلى أن تتغير الأحوال
فينبذون النظام والجهادية والإخوان، ويعيدون ثورتهم إلى جادة الصواب كثورةٍ شعبيةٍ
ضد نظامٍإفقاريٍ ناهبٍ، ومن أجل كل السوريين.
كل عمل
إسلامي أو ديني، ويقدم نفسه كعمل ديني، هو عمل طائفي بالضرورة. وهذه صفته إن كان
في الإغاثة أو المال أو السلاح، أو سواها. بينما الصحيح أن كل عمل مجتمعي ولصالح
كليّة المجتمع ينطلق من المجتمعي ذاته، من حاجات الناس وضرورة تأمينها، وهذا
التفكير ضرورة حياتية بأوقات الاستقرار أو الثورة أو الحرب، وبكل حين كذلك.
العمل
الطائفي نابذٌللآخر بالضرورة، الآخر هنا، ليس الديني، بل أي آخر، ولذلك نجد أن
الجماعات الطائفية تقيم سلطتها على صدور الناس المعتبرين من الطائفة ذاتها. ربما
سيسأل البعض ويقول: إذا، برأيك،لا يوجد جانب دنيوي للدين. للدين جانب دنيوي
بالتأكيد، ولكن على ألا يكون تمييزي وضد الآخر، ولصالح سلطة حزبية جديدة. حينها
يصبح الدين خاصٌبالأفراد وبالجماعات بأوقات العبادة، ويبرز جانبه الأخلاقي كحاضّ
على كل ما هو إنساني. ويمنع نفسه من التدخل بشؤون الناس، بدءاً من الديني وانتهاءً
بالسياسي، بل والقانوني المتعلق بالأحوال الشخصية. الأخيرة يجب أن تكون مدنيةً
أيضاً. في العصر الحديث إما أن نحترم الدين وننزهَه عن السياسة والكذب ونعطي الإنسان
حرية الاختيار كاملةً بما فيها تغيير دينه، وإما أنه سيكون المسؤول عن القتل
والتسلط والتجبر وهلاك الناس حالما يدخل حقل السياسة والمال والسلاح، أي حين يمتلك
أدوات الهيمنة. تجربة السوريين مع الإسلاميين في السنوات الأربعة تقول بأنهم كانوا
أسوأ جماعة سياسية، ساهمت مع النظام في تشويه الثورة.
لا خيار
للثورة خارج الرؤية الوطنية لذاتها ولمشكلاتها، لإيقاف التشويه ومنع الذهاب بها
نحو إعادة تأهيل النظام مجدداً. كانت داعش والنصرة والمجموعات الطائفية ذريعةٌ
لقوات التحالف للدخول إلى سورية، كما كان الإخوان المدخل إلى تحكّم الدول
الإقليمية بمفاصل كثيرة في الثورة. وهذا التحالفالآنيخدم النظام وإيران، ولا يقضي
على الجهاديين أيضاً، وربما يضاعف من أهميتهم!ولكنهم يظلون أدواتٍ سياسيةً وقاتلة،تعمل
للإجهاز على الثورة ولترتيب شؤون المنطقة بما يخدم المصالح الأمريكية وربما الإيرانية
أيضاً. وطبعاً يلعبون دوراً في إعادة تأهيل كل النظام السياسي العربي الذي أسقطه
الشعب.
الآن
يترحمون على القذافي. وسمحوا للسيسي بالوصول للسلطة. وفي سورية نجد من عاد لحضن النظام.
ويدمرون اليمن بالتعاون مع علي عبدالله صالح، أي مع الحوثية الطائفية.
نختصر
القول: لا علاقة للإسلاميين بالثورات، وكانوا الأداة السياسية لأمريكا وللأنظمة في
تدميرها. ولكن الثورات ستتجدد طالما الأوضاع الاقتصادية والسياسية بأزمة مستمرة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث