د.رفعت عامر
شكّلت السوق السوداء
قبل الثورة نسبة 40% من حجم الاقتصاد الوطني وهي نسبةٌ عاليةٌ جداًبالمقاييس
العالمية، ويعود سبب ارتفاع هذه النسبة في سوريا لسياسات النظام الاقتصادية، التي
كانت تضع شعاراتِحماية السوق المحلية من التنافس الذي تخلقه المنتجات المثيلة
والمتشابهة من الأسواق الخارجية،في الوقت الذي لم يلقَ المنتجون المحليون الدعم
المطلوب لزيادة الإنتاج وتحسين النوعية،فكان نتيجة ذلك عدم قدرتهم على تلبية الطلب
المتزايد على المنتجات في السوق المحلية، فنشأت بذلك فجوةٌكبيرة بين العرض والطلب،
يتم ردمها من خلال التهريب في السوق السوداء. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية كان
هناك عددٌ كبير ومتزايد من التجار المقرّبين من رموز السلطة،والذين نشأت تجارتهم
على السوق السوداء وبقيت مصالحهم مرتبطةً باستمرارها.
اتسعت السوق السوداء بعد
الثورة، وأصبحت تساهم بنسبة أكبرمن حجم الاقتصاد السوري،بعد تعطل دورة الإنتاجوتوقفأكثر
من 90% من المصانع والمعامل عن العمل بسبب النهب والقصف والتدمير،وتدني الإنتاج
الزراعي بشقّيه: النباتي والحيواني،إلى مستوياتٍ قياسية لم تشهدها سوريا في
تاريخها،وفقدان الموارد المتأتية من السياحة، وضعف التجارة البينية بين المناطق
والمحافظات السورية،وانخفاض إنتاج النفط الخام من 380 ألف برميل يومياً إلى 120
ألف، وسيطرة “داعش”علىالإنتاج والتسويق. هذه وغيرها من العوامل، أدّتإلى
فقدان المنتجات منالأسواق المحليةواستيرادها من الخارج.
لقد أصبحت أسواقالمناطقالمحررة
خارج السيطرة، ولا يمكن إخضاعهالأي مراقبةٍمن أي جهةٍ رسمية،وتتصل تجارتها مباشرة
مع دول الجوار،وأسواق النظام يسيطر عليها التجار الموالون والمقربون من النظام،الذي
خلق لهم بعد الثورة حوافز مادية من أجل دعمه والوقوف بجانبه، ومهربون (الشبّيحة
وعناصر الجيش الوطني)من الطبقات الدنيا،والذين ربطوا مصيرهم بالنظام،وصار حافزهم
المادي مرتبطٌباستمرار فتيل الحرب والنزاع والفوضى،لاستمرار عمليات النهب والتجارة
الغير شرعية،وأمراء الحروبمن الطرفينالذين ارتبطتمصالحهمباستمرار حالة الحرب والنزاع.
لقد استفاد التجار من
ارتفاعأسعارالمنتجات وتذبذبهافي الأسواق المحلية،حيث وصلت إلى 300% مقارنةًبأسعار عام 2011م، وترافق ذلك مع هبوطٍ
حادٍ في سعر صرف الليرة السورية،مما دفع بالمستهلك السوري لشراء الكثير من
المنتجات المهرّبةالرخيصة، بسبب عدم وجودرسومٍ وضرائب عليها، وهو مايرفع عادة من
سعرها،والكثير من هذه المنتجاتغير صالحةٍ للاستهلاك، بسبب انتهاء مدة صلاحيتها،وتحوَلت
السوق السورية لأكبر مستورد للمنتجات الغير صالحة للاستهلاك بالمقاييس العالمية.
هذه وغيرها من الأسباب والعواملفتحت شهيّة التجار والشركات، من داخل سوريا
وخارجها،للاتّجار والعمل بالسوق السوداء.
مع كل الحقائق التي
ذكرناها في الأسباب والنتائج،عن واقع السوق السوداء في سوريا ونشأتها واستمرارها،يبقى سببٌ رئيسيٌ من أهم الأسباب
في ظهور السوق السوداء،وهو الفساد الحكومي الذي يستفيد من هذه السوق من خلال الرشوة
والإتاوات.
لقد بلغ حجم التهرّب
الضريبي في سوريا مليار دولار أمريكي، والتهرّب الجمركي 315 مليار دولار،ويبتلع
الفساد الإداري 4.2 مليار دولار سنوياً.
هذه الأرقام وغيرها تؤكّد على أن فساد مسؤولي
الحكومة هو العامل الأول والرئيسي،الداعم والمولد للسوق السوداء،والتجار هم أدواته،
يستخدمهم النظام في تنشيط هذه السوق.
ولو كان لدى النظام
النيّة والإرادة سابقاً للقضاء على السوق السوداء،لفعل ذلك،وكان من الممكن حالياً،
التحكم بها والتقليل من حجمها لو أراد، على الأقل في المناطق التي يحكمها.ولكن
واقع سوريا، منذ استلام الأسد الأب إلى الابن، يؤكد دوماً أن”السياسة هي قاطرة
الاقتصاد وليس العكس”،ومن خلال الفساد يُحكم النظامقبضته على التجار وعامة
السوريين وأسواقهم.ولذلك ستبقى مهمة محاربة الفساد قائمة وملحّة، ليس فقط بالخلاص
من هذا النظام، بل إنها ستحتاج إلى وقتٍ وجهدٍ ليس بالقليل،بعد أن أصبحت ثقافةً منتشرةً في كل ثنايا المجتمع السوري، مورست على مدار 44 عاماً.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث