نبيل شبيب
لا تخفى الهجمة غير المسبوقة على العمل الإسلامي، تحت عنوان الإسلام السياسي غالبا، والإخوان المسلمين على نطاق واسع، والمقاومة الإسلامية المسلحة ضد الاغتصاب والاحتلال والعدوان في فلسطين وأخواتها، وكذلك ضد الاستبداد الهمجي المحلي والعالمي، في سورية وأخواتها، وأصبح جميع هذه التسميات „خلطة” تشمل من يسمونهم تنظيمات إرهابية „إسلامية!”.
هي „خلطة” مقصودة، ليختلط حابل الصديق المزيف بنابل العدو المكشوف، فيضربا معا وفي آن واحد المصلح والمفسد في العمل للإسلام.
هذا كله.. مع استهداف الإسلام نفسه في نهاية المطاف.
نحتاج نحن إلى رؤية واضحة.. تصدر عن أنفسنا حول أنفسنا، ومن ذلك:
(١) معروف لنا من منظورنا الإسلامي ومعاييرنا الإسلامية ما نشأ وفرّخ من „عنف غير مشروع إسلاميا”..
(٢) بالمقابل نأبى الانسياق جملة وتفصيلا وراء „تصنيفات إرهابية” صادرة عن قوى دولية وإقليمية، لا علاقة لها أصلا بتطبيق الإسلام ولا تفسيره ولا الدفاع عنه، فلا أساس لتنصيب نفسها في موقع „القاضي” الحريص على تطهير الإسلام من „وجه إرهابي قبيح”.. فضلا عن أن تاريخها وواقعها الحاضر من قبل هيروشيما حتى جوانتانامو والطائرات دون طيار، لا يؤهلها أصلا لتصنيف سواها بدعوى مكافحة „الإرهاب”.
نحن أدوات مؤقتة.. ولسنا الإسلام
إذا كان السؤال عما يستهدفونه يفيد للمعرفة والوعي وحسن التصرف، فالسؤال الأهم من منظورنا الذاتي هو:
ماذا نريد نحن باسم العمل للإسلام، وكيف نتفاعل مع ما نشهده في الواقع المعاصر حولنا؟..
(١) سيان.. هل يستوعب صناع الهجمة الضارية الحالية أم لا يستوعبون، أننا.. أفرادا وتنظيمات.. أدوات، ولسنا „الإسلام” بحد ذاته، أي أن استهدافنا -إذا حقق أغراضه- لن يوقف مسيرة الإسلام الماضية.. إلى يوم القيامة.
يجب أن نؤكد بالمقابل:
(٢) لا يكفي في مواجهة استهدافنا أن نقول:
الله عز وجل تعهد بحفظ دينه، فلن يحقق هذا الاستهداف أغراضه!..
إن السؤال الحقيقي المطروح علينا هو:
هل سنكون نحن „أدوات” لهذا الحفظ „الآن”، أم نخيب نحن، وتنتقل الأمانة إلى قوم آخرين؟..
هل ندرك ما تعنيه كلمة „الأمانة.. والمسؤولية” هنا؟..
(٣) إن تعطيل مسيرة العمل للإسلام بسبب قصورنا، بمعنى تعطيل تحقيق أهدافه „القويمة”، لسنوات أو لعقود من الزمن، يعني أن جيلنا هذا يحمل المسؤولية أمام الله عز وجل، وفي سجل التاريخ، وبين يدي الأجيال المقبلة من أولادنا وأحفادنا، عن عدم تحقيق ما نحمل „نحن” المسؤولية عن تحقيقه عبر „العمل الإسلامي” من أهداف..
(٤) من هذه الأهداف: العدالة.. الحقوق.. الحرية.. النهوض.. الخير.. إلى آخره، فهذا محور ما يعتبر „الأمانة الكبرى” لاستخلافنا نحن، أثناء حياتنا الدنيا نحن.. ومهما بلغت خسارتنا -أفرادا وجماعات- في هذه الحياة الدنيا، فالخسارة الأكبر آنذاك ستكون يوم الحساب.
(٥) ألا تشمل „مسؤوليتنا” آنذاك -وبالتالي حسابنا الأخروي- ما يقع من „خسائر بشرية” إضافية ومزيد من “المعاناة الإنسانية”، الفردية والجماعية، بسبب استمرار غياب تلك القيم وغياب تطبيقها، نتيجة قصورنا أو تقصيرنا، ردحا من الزمن، أي فترة حياتنا نحن من عمر التاريخ؟..
نسأل الله العفو والمغفرة.
(٥) إن استيعاب المشكلة.. والأوضاع الراهنة.. دون ما يوصف باللف والدوران، أو التسويغ والتبرير والتمييع، أو „جدال الطرشان”.. هذا الاستيعاب شرط أول لا غنى عنه، كي ننقذ أنفسنا الآن، لنتمكن من أداء واجبنا على الوجه الأمثل، من أجل الإنسان ومستقبل الإنسان، وكذلك كي ينالنا العفو والمغفرة، فننقذ أنفسنا يوم القيامة.
(٦) إن مسألة تطوير العمل للإسلام كما يجب، ليست مسألة جانبية ولا „أكاديمية” ولا هي مجرّد خيار من الخيارات.. بل هي -كما ينبغي أن نفهمها- في صلب الأمانة الكبرى والمسؤولية الجليلة في أعناقنا ما دمنا نؤمن بدورنا في دار الابتلاء.
نحن المشكلة.. فهل نصنع „الحل”؟..
إن مشكلة العمل للإسلام هي „نحن”، وليس „هم” وما يستهدفون وما يمكرون ويخططون وينفذون، فمسؤوليتنا عن أداء هذا العمل كما ينبغي، تتضمن تلقائيا وجوب تأمين أسباب الوصول إلى الهدف، رغم وجودهم وهيمنتهم بل وتفوقهم المادي والتقني والتنظيمي، ووجود جميع ما يصنعون واستمراره وتصعيده.
إن من السذاجة بمكان بل ومن عدم الإحساس بحجم المسؤولية، أن نجعل „إدانة” ما يصنعون بديلا عما يجب أن نصنع.
كلا..
لن يكفّوا.. وإذا اعتبرنا ذلك „ضمنا” شرطا لنجاح ما نصنع، كنا كمن يقول:
ما كان للدعوة الإسلامية أن تنطلق من مهدها الأول إلا بعد أن تختفي قريش ويختفي الروم والفرس.. مسبقا!..
إن في مقدمة ما ينبغي أن نقرّ به أننا نحن المشكلة من وراء عدم تطوير „العمل” إلى المستوى الواجب علينا.. نحن.
كل عمل، في كل ميدان من ميادين الحياة، يجب أن يتطور ويُعدّل مواكبا المتغيرات في العالم والعصر، ولا يتحقق التطوير عبر تغيير بعض العناوين والشكليات..
ولكن لا يعني التطوير المطلوب تبديل „جوهر العمل”.. أي القيم والأهداف الصميمية التي أوجدته، بل يتطور هو من حيث كونه „أداة” لتحقيقها، ولا تصلح الأداة وإن صلح الهدف، إذا بقيت كما هي فلم ترتفع -أي نرتفع نحن- إلى المستوى „المتجدد باستمرار” حيث أصبحت عليه احتياجات الإنسان والعالم والعصر في مسيرة التاريخ، وكذلك ما لم نرتفع إلى مستوى القدرة على الاستخدام الفعال للوسائل والتقنيات الحديثة المعاصرة، وجميعها متغير متطور.
يجب أن نستوعب أيضا:
عجلة التطور تجري من حولنا، بتسارع كبير -وليس بسرعة عالية فقط- وفي جميع الميادين، عاما بعد عام، وليس قرنا بعد قرن فحسب.
بالمقابل:
مضى على نشأة العمل الإسلامي „التنظيمي.. الحركي” زهاء قرن، وما زال إلى حد كبير -من حيث بنيته الهيكلية وأساليبه- كما نشأ، إلا في حدود بعض اللمسات التغييرية الجزئية والظاهرية المحدودة، ربما تحت وطأة الضغوط العملية، وليس نتيجة قرار ذاتي، أي كما لو كانت عملية التطوير „البطيء” تجري بالإكراه، علاوة على بطئها.
التطور المطلوب كبير وجذري وشامل.. لا يتسع المقام لطرح جميع جوانبه وأبعاده ناهيك عن كيفية تحقيقه، هكذا.. في مقال.. أو حتى في كتاب، ولا عبر فرد أو بضعة أفراد.. ولا حتى في مؤتمر من المؤتمرات.
ينبغي ابتداءً أن ينتشر في „قلب” التنظيمات الإسلامية الاقتناع أولا بضرورة صناعة التطوير وأنها مصيرية، وبضرورة إيجاد الشروط الواقعية اللازمة لتنفيذه.
من ذلك على سبيل المثال.. ومما يتجرأ كاتب هذه السطور على الاجتهاد بطرحه، من خلال ما عايشه وشارك لعقود فيه، وإن بقي خارج نطاق التنظيمات الحركية الإسلامية التقليدية المعروفة:
أصبح التطوير المطلوب أقرب حجما وأسلوبا إلى ما يصلح وصفه بالثورة الذاتية.. ولا يصح إطلاقا أن يكون رد فعل على مؤثرات خارجية.
لا غنى عن مواكبة كل خطوة من خطوات التغيير بشروط عديدة، منها:
(١) استيعاب متجدد لواقعنا والعالم والعصر.. مع تحديد احتياجات العمل للإسلام في هذا الإطار.
(٢) فهم طبيعة الأدوات والوسائل المعاصرة لتحقيق أهداف كبرى من مستوى أهداف العمل للإسلام.
(٣) تطبيق ميزة التخصص عبر نشأة „تنظيمات وهيئات ومؤسسات وروابط.. إلى آخره”، يتخصص كل منها في ميدان من الميادين، كالعمل السياسي، أو الفكري، أو الاجتماعي، أو الأدبي، أو التربوي، أو البحثي..، أو بعض ما تفرع من تخصصات في هذه الميادين وغيرها، على أن تكون جميعا مستقلة عن بعضها بعضا، يمكن أن تتكامل، وتتعاون، ولكن لا ينبغي على الإطلاق أن تتبع تنظيميا وإداريا وتأثيرا تمويليا وتوجيهيا لقيادة حركية مركزية، في نطاق „جماعة كبرى” أو „تنظيم اتحادي” أو ما شابه ذلك.. مهما استقام وأخلص.
(٤) اعتبار التزام المقاصد الشرعية الكبرى والثوابت الإسلامية الكبرى نظريا وتطبيقا -وليس العناوين والتسميات والشعارات والأشخاص والعلاقات.. ولا براعة الأقلام والألسنة- هي المعايير لاقتناعنا بصحة انتساب أي فرد أو تنظيم أو هيئة للعمل الإسلامي، وهي أيضا „القواسم المشتركة” التي تحدّد الوجهة العامة للتنظيمات التخصصية العديدة، دون الحاجة إلى „قيادة عليا مشتركة” في موقع „علوي” لمن يفكر ويخطط ويراقب ويأمر وينهى من فوق الجميع.
(٥) من مستلزمات الثورة الذاتية أن تعتمد على „القواعد العريضة” لا سيما في عمر الشباب والعطاء، ذكورا وإناثا، تطبيقا لانطلاقة الثورات الشعبية من الشعوب..
لا يصلح أن يكون التطوير المطلوب موجها، أي عبر قرارات قيادات تنظيمية قائمة، وصانعي القرار فيها، أو عبر تمويلها، هكذا على انفراد، أو بأسلوب: „نحن نقود الشباب والنساء والعامة..” إلى ما يجب أن يصنعوه.. „وفق ما نراه” من „برجنا العاجي” وقد بات أقرب إلى التقديس.. مهما صنع بعضنا من خلاله!..
لا بدّ بدلا من ذلك أن تكون المشاركة مفتوحة وشاملة، وعملية تفاعلية حقيقية، نستجيب لبعضنا بعضا في الدعوة إليها والحث عليها واستشعار المسؤولية الفردية في الدنيا والآخرة من وراء ممارستها.
هذا مع السعي الجادّ المشترك من جانب „القادرين.. في مواقع التأثير الأدبي وصنع القرار وتمويل العمل”.. لتأمين الأطر المناسبة من أجل الوصول لها وبها ومن خلالها إلى التطوير المرجو.
ثورة على أنفسنا
يا أيها الإسلاميون.. علماء ودعاة وحركيين ومفكرين ومموّلين.. وأفرادا وجماعات..
يجب أن يتطور عملنا الإسلامي..
لقد تجاوزته عجلة الزمن والأحداث من حوله، وقد تصيبه في مقتل إن تأخر عن تطوير نفسه، ليس للحاق بمن يصنع الأحداث فحسب، بل بالسرعة والنوعية والحجم الضروري ليتجاوز تلك القوى الكبرى التي تعمل من أجل ألا يتحقق هذا التطوير أصلا!..
إن تطوير العمل للإسلام، هو ممّا نتحدث عنه كثيرا، ونشكو من افتقاده كثيرا، ونعتبره بألسنتنا وأقلامنا من أسباب تحقيق „النصر”..
لن ننتصر عبر الاكتفاء بالحديث عن „العمل” لتحقيق أهداف الإسلام، لخدمة الإنسان بالإسلام في الحياة الدنيا، والأمل بتحصيل رضوان الله في الآخرة..
لن ننتصر دون العمل بموجب ذلك.. الآن.. في هذه الحياة الدنيا، وما عاد ذلك ممكنا دون أن يثور كل منا على نفسه، أفرادا وجماعات وحركات، وأن ينتصر عليها يوميا، أي بصورة متواصلة متجددة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث