العميد الركن أحمد رحال - محلل عسكري واستراتيجي/
مائة يوم من المعارك الأخيرة في الجبهة الجنوبية في حلب، تغيرت فيها التوازنات وتغيرت فيها التموضعات بعد معارك قادها “جيش الفتح” وغرفة عمليات “فتح حلب”، والتي قلبت الطاولة وأعادت رسم حدود جديدة في الجنوب الحلبي أفرزتها أقدام مقاتلي الثورة السورية.
“جيش الفتح” الذي يحمل إرثاً قتالياً وتاريخاً لا يمكن تجاوزه رغم بعض التحفظات عن تصرفات بعض مكوناته، التي تناست أنها قَدمت للمساندة وليس لفرض أجندات، وأنها قدمت نفسها نصرة لشعب سورية وليس قيادة تفرض وجودها وتلغي خيارات شعبها، ولكن الشعب السوري ما زال يتأمل خيراً بتغيير تلك السياسات.
بالعودة لساحات الميدان، فـ جيش الفتح الذي أعاد ترتيب غرفة عملياته، واستبعد “الغلاة” الذين تسربوا إلى صفوفه، وأعاد رسم الأهداف وتحديد الأولويات، التي وجدت بالجبهة الحلبية الجنوبية ساحة مواجهة قد تغير من وجه الثورة السورية، بعد إعلان “قاسم سليماني” ورئيس وزراء النظام “الحلقي”، وتصريحات رئيس النظام “الأسد”، بأن حلب هي المقصد، والسيطرة عليها هي المطلب.
جبهات حلب التي ضمت كل أطياف الصراع في سورية، فإضافة لفصائل الثورة السورية، هناك حلفاء “الأسد” الذين تدافعوا إلى “حلب” من “إيران” و”الضاحية الجنوبية”، واستقدموا “الأفغان” و”الباكستانيين”، وكل أنواع الميليشيات “العراقية الطائفية”، إضافة لمرتزقة الجبهة الشعبية لـ”أحمد جبريل” من “لواء القدس” وغيره.
والمخططات العسكري لـ”إيران” في عزل جبهات ومدينة “حلب” كانت هدفاً يمهد لتطويقها عبر حصار يعيد ذكريات ما حصل في مدينة “حمص ابن الوليد”، ويؤدي لإخراج كل المعارضة السورية وفصائلها المسلحة من أحياء المدينة، وتلاقت خطة “سليماني” تلك، مع الأهداف الروسية التي تحمل روح الانتقام من “تركيا” بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية نهاية عام (2015)، وبعد قناعة تتشارك فيها “موسكو” مع “طهران”، أنه بدون عزل جغرافية الثورة السورية عن الحدود التركية، فلن تستطيع “موسكو” أن تفرض شروطها ورؤيتها للحل الذي تبحث عنه ويتمثل بإعادة هيكلة نظام “الأسد”.
تلك الأهداف وتلك الطموحات دفعت بـ”قاسم سليماني” (الحاكم العسكري الإيراني لسورية والعراق) لوضع خطة عسكرية تحقق أهداف “طهران” وتستجيب لتطلعات “موسكو” وتنفذها على الأرض ميليشيات طائفية “شيعية” متعددة الجنسيات، يكون فيها دور ميليشيات “الأسد” التأمين اللوجيستي (فقط) نظراً لفقدانها أي قدرة على القتال بعد تلاشي وجودها، ولتأمين وفرة من المقاتلين الإرهابيين العابرين للحدود، تم الزج بوحدات النخبة من الجيش الإيراني عبر اللواء (65) قوات مغاوير، واللواء (23) قوات خاصة، وعدة قطعات عسكرية أخرى تتبع لوزارة الدفاع الإيرانية ولأول مرة.
كان طموح “سليماني” بانطلاق معركة من جنوب “حلب” تعيد السيطرة على الأوستراد الدولي الواصل بين “حلب ودمشق” ومن ثم وعبر رأس عملية تنطلق من الشمال الحلبي عبر جبهة “مخيم حندرات” يتم فيها قطع طريق “الكاستيللو”، وبذلك تحقق “طهران” ما أرادت.
كل تلك المخططات لم تكن غائبة عن أذهان غرفة عمليات “فتح حلب” وغرفة عمليات “جيش الفتح”، ومع رصد ميداني وتدقيق أهداف شمل كامل مسرح الأعمال القتالية في الجبهة الحلبية الجنوبية والشمالية لمخططي العمليات لدى الثوار، توصل مخططو عمليات “ثوار حلب” إلى خطة تتم على مراحل تم التعرف عليها من خلال الخطوات التي نٌفذت فيها ومن خلال مراحل التطبيق على ميادين القتال.
البداية الطيبة لـ”جيش الفتح” وفصائل المعارضة السورية من بلدة “العيس” كانت موفقة، والخطوة الثانية في بلدة “خان طومان” كانت قاصمة، والمرحلة الثالثة التي تجري (الآن) كانت على ميليشيات “إيران” و”حزب الله” مدمرة، عبر تحرير قريتي “خلصة” و”زيتان” ووصول المعارك لأطراف بلدة “الوضيحي” وأطراف بلدة “الحاضر”، التي تعتبر مقر ومعقل قوات “حزب الله” و”الحرس الثوري” الإيراني في جنوب مدينة “حلب”.
معارك “جيش الفتح” التي يغلب على تفاصيلها معارك “كسر عظم” ويتبعها مقاتلو الثورة السورية في مواجهة ميليشيات “حزب الله” وكل الميليشيات الإيرانية والأفغانية وميليشيات “حركة النجباء” العراقية، وهؤلاء يمثلون العصب الرئيس لمن يقاتل في الجبهة الجنوبية لحلب من قوى تتبع للجنرال “قاسم سليماني”. ومن المؤكد أن “حزب الله” نال فيها القسم الأكبر من الخسارات والضربات الموجعة عبر عشرات مقاتليه الذين أطاح بهم “جيش الفتح” ومقاتلو الثورة السورية في ساحات المعارك، وضجت بهم العاصمة “بيروت” عبر ليالي “اللطم” التي لم تعد تفارق “حسينيات” وأحياء “الضاحية الجنوبية”، معقل “حزب الله” في “بيروت”. وأصبحت أحياء الضاحية لا تنام وهي تٌحصي أبناءها ما بين قتيل وجريح وأسير أو هارب وكتبت له الحياة. وما التجمع الذي حاصر مشفى”الرسول الأعظم” مؤخراً في “الضاحية الجنوبية” إلا تعبيراً عن هذا السخط وتلك النقمة التي لم تعد تحتملها طائفة “حزب الله”.
الأفغان والإيرانيين أيضاً كان لهم من القتلى نصيب، ولهم أعداد لا يستهان بها من الجثث التي ملأت طرقات وبلدات ريف حلب الجنوبي، ومع تزايد أعدادهم عجزت شركة “ماهان” للطيران الإيراني من نقل جثثهم إلى العاصمة طهران، التي أصبحت تغلي على صفيح ساخن غير معروف النتائج والأبعاد، وعبر “نحيب” لا يتوقف ساد بيوت أهالي من يقتل من الإيرانيين في الساحات السورية.
المشهد العسكري على ميادين القتال تغير، والتوازنات التي أرادتها “طهران” تبدلت، وسياسة فرض الأمر الواقع عبر موقف عسكري يهيئ لإعادة طرح المخطط الروسي أصابه العجز والفشل، وبوادر التغير في الموقف الروسي كان واضحاً في اجتماع وزراء الدفاع الثلاثي في “طهران”، والذي عكس تبايناً واضحاً بين أجندة “حل عسكري” تطالب بها “طهران” وبين سياسة روسية لا تستطيع التجاوب مع محور يطالب أن تكون “حلب” و”دير الزور” و”إدلب” وكل المحافظات السورية طريقاً لـ”القدس” كما يقول “نصر الله”. ولا تقبل روسيا أيضاً بأن تكون حاملاً لشعار “إيراني” يعتبر سيطرته على أربع عواصم عربية مقدمة لازدياد الهيمنة الإيرانية في المنطقة وتكون عرابته “موسكو”. وما بين التزامات قطعتها “موسكو” على نفسها أمام “تل أبيب” وأمام “الغرب” وأمام “واشنطن” بالتحديد، بأن يكون تدخلها خدمة لـ”حل سياسي” وليس لإعادة تعويم “الأسد” كما فعلته وفشلت فيه خلال الأشهر الماضية، فشبح العزلة لـ”روسيا” والعقوبات الاقتصادية التي أرهقت “بوتين” ومشاكله العالقة بشأن “شبه جزيرة القرم” و”أوكرايينا” ما زالت حاضرة على الطاولة وتنتظر خطوات “موسكو” التشجيعية.
كل المؤشرات تقول أن هناك تحول ملموس بدأ يظهر على الموقف الروسي، حملت بعض ملامحه الزيارة المهينة لـ”بشار الأسد”، التي التقى فيها وزير الدفاع الروسي “شويغو” وحيداً. وكان واضحاً أن “بشار الأسد” مستغرب لأنه كان يطمح بلقاء رئيس الأركان الروسي لتنسيق العمليات العسكرية لا لقاء مسؤول سياسي ممثلاً بوزير الدفاع الروسي لتلقي أوامراً سياسية تحمل ملامح المرحلة المقبلة التي يبدو أنها تنبئ بقرب رحيل “الأسد” عن المشهد السياسي السوري.
كل ذلك حتى الآن يأتي في إطار التحليل السياسي والعسكري الذي يظهر الآن، ويمكن قراءته عبر المواقف والمستجدات الحاصلة في الجغرافية السورية. ويبقى أمل الشعب السوري الحر متمثلاً بعودة الوعي للمجتمع الدولي بوضع كل الإرهاب الحاصل في ثنايا المساحات السورية ضمن سلة واحدة متكاملة لا تميز بين إرهاب تنظيم “داعش” وبين إرهاب “الميليشيات الطائفية” التي استقدمها نظام “الأسد” لقتل الشعب السوري، وعبر رؤية موضوعية بالبحث عن حل سياسي يتناسب مع حجم التضحيات التي قدمها أهل سورية مقابل التخلص من حكم ديكتاتوري اعترف العالم أجمع بمدى إجرامه وتطرفه وطائفيته، ويؤسس لحل عادل يضع اللبنة الأولى في طريق إعادة السوريين لبلادهم، وإعادة الإعمار لمدنهم التي دمرها إرهاب “الأسد” أكثر من غيره، وتمهد لعودة الوفاق لكل مكونات الشعب السوري الذي يستشرف أملاً بأن يكون جزءاً من العالم المتحضر الذي يطمح إليه.
وإلا فالبديل “كر وفر” وقتال لن يتوقف، لا تحتمله “طهران” ولا “الضاحية الجنوبية” أمام إصرار وعزيمة وإرادة الشعب السوري الحر، وحالة لا استقرار لن تكون دول الجوار بمأمن من تقلباته ولن يكون المجتمع الأوروبي ببعيد عن الشرر المتطاير من نيرانه.
فهل تصل تلك القناعة لمن يملك سلطة القرار؟؟؟؟
الشعب السوري بالانتظار …
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث