الرئيسية / سياسي / سياسة / تقارير / الإرادة الشعبية والنخب المترهلة.. حتمية التغيير رغم تصعيد العدوان

الإرادة الشعبية والنخب المترهلة.. حتمية التغيير رغم تصعيد العدوان

 
نبيل شبيب
الاعتداءات الإسرائيلية والاستهتار الأمريكي وخواء الموقف الرسميّ، العربي والإسلامي، من أيّ مضمون، ثلاثة عناصر تلتقي على نشر الإحساس بالقنوط ومحاولة كسر الإرادة الشعبية، ليس في فلسطين وبلدان الربيع العربي فحسب، بل على امتداد المنطقة العربية والإسلامية.
صحيح ما يقال عن استحالة هزيمة الشعوب في نهاية المطاف، ولكنّ تحول الإرادة الشعبية من قوّة كامنة تعبّر عن نفسها بالآلام على المستوى الفردي، إلى إرادة فاعلة محرّكة تصنع الحدث، لتكتب بالتالي التاريخ، هو مغزى الثورات، وهو الضمان -مع الجهد المتواصل- لعمل بعيد المدى، مع رؤية الممكن وتنميته، ورؤية العقبات وتجاوزها، وتوسيع دائرة الصمود والمقاومة، لتصبح نهجا منظما متكاملا، يقطع الطريق مرحلة بعد مرحلة للحفاظ على الثوابت وتحقيق الأهداف الجليلة.
. . .
من يتأمّل فيما تعبّر عنه الأصوات الغاضبة على المستوى الشعبي يدرك أنّ أسباب الغضب والألم لا تعود فقط إلى المعاناة وفقدان ما لا يحصى من الأحبة والأقرباء، وخسارة قادة وشباب مجاهدين، في زمن شحّ فيه ظهور أمثالهم، بل يعود في الوقت نفسه إلى رصد مواقف الذلّ المتجلّية في إدانات كلامية أحياناً، وسياسات عشوائية استسلامية غالباً على مستوى أولئك الذين يتصدّرون كراسي الزعامة الشكلية، وهم لا يعطون الزعامة حقّها على مختلف المستويات. 
ما جدوى الغضب والألم؟ تساؤل ينطوي على “الاتهام”.. ولكنه يصدر غالباً عمّن ينبغي في الأصل أن تصدر الأجوبة عنهم، ممن يصفون أنفسهم بالنخب، ويعتبرون دور النخب أشبه بدور الخطّ الدفاعي في أيّة أمّة من الأمم.. من أين تأتي الأجوبة إذاً؟.. 
من يتولّى مهمّة تحويل الغضب إلى قوّة فاعلة منظمة محرّكة، وترشيد تلك القوّة لتحقق الغرض المطلوب؟..
قد يكون لدى المتشبثين بالسلطات الاستبدادية بعض الاطمئنان المخادع نتيجة تجارب سابقة على المستوى “الأمني القمعي”، ولكن ما الذي يعطي “النخب” الاطمئنان إلى أن “انفجار الغضب الشعبي” لن يتجاوزها، أو يجرفها؟ وقد أثبت التاريخ أن التغيير عندما يبدأ لا بد أن يجرف ما في طريقه وأن يوجد القيادات البديلة والنخب البديلة والأوضاع البديلة.
. . .
ليست المعادلة الحقيقية التي يتحدّثون عنها معادلة العنف والعنف المضادّ، إنّما هي معادلة عنف إجرامي إرهابي، استبدادي ودولي، يولّد مقاومة تتنامى، وتزداد قدرة على الصمود، وخبرة في الأداء، ويزداد تعداد من يبرز من داخل صفوفها ليتولّى دور التوجيه والترشيد والقيادة، ويضاعف إمكاناتها يوماً بعد يوم على طريق تحقيق أهدافها.
وما أسوأ أن نشهد إلى جانب دلك وأمام تصعيد وسائل العدوان الدموي العلني، ذلك الاستعراض المخزي للعجز النخبوي.
لا عزاء.. إلا أن شبيه ذلك هو ‎ما كان في الحقبة الأولى من كلّ تغيير جذري تاريخي كبير، ولا بدّ أن يتكرّر المشهد، ليس لأنّ التاريخ يعيد نفسه، ولكن لأنّ سنن التاريخ لا تتبدّل، فيمكـن أن تتّخذ مشاهد الأحداث مجرى آخر، ولكنّ جوهر الحصيلة يبقى واحدا.
إنما لن تتكرر مشاهد العقود الماضية في صورة تراجع بعد تراجع، في مرحلة بعد مرحلة، ليقوض الانهزاميون هدفاً مشروعاً بعد هدف، وليصنعوا نكبةً بعد نكبة.. 
لن تتكرر لأننا نشهد الآن ما لم نرصده عبر عشرلت السنين الماضية، وقد تجلّى في تحرك شعبي ثوري، تتجدد طاقاته، وتتجدد إنجازاته بإذن الله في منطقة بعد منطقة، وميدان بعد ميدان، ليصنع -رغم المآسي- ما يتطلّع إليه من انتصارات، انتصارا بعد انتصار.
. . .
لم تكن غزوة الخندق ذروة “حصار” القلّة المؤمنة الأولى، بل الباب إلى فتح مكّة وما بعدها..
لم تكن غزوة مؤتة “نهاية” الطريق في مواجهة الدولتين الكبريين آنذاك، بل البداية إلى اليرموك والقادسية..
ومن عايش اجتياح المغول للمنطقة، لم يكن يتصوّر “لحظة الاجتياح” أنّ بداية نهاية المغول ستكون في عين جالوت..
ومن بكى على دماء المسلمين حتى الركب في الأقصى إبّان الغزو الصلبيبي، لم يكن قادراً على استشراف أيام حطين وتحرير القدس من بعد..
إنّما يبقى القاسم المشترك بين جميع ذلك، هو حياة النفوس بعقيدتها وإرادتها، فإن كان ذلك على مستوى ما كان عليه الجيل الأول من الصحابة، أتت الحصيلة بالتغيير قبل أن يرحل ذلك الجيل، وأن كان الموات هو الأوسع انتشاراً كما كان في مطلع الحروب الصليبية، تأخّرت عجلة التغيير والتحرير لعدّة أجيال..
أما الحصيلة فتبقى واحدة: التغيير الحتمي، العاجل.. أو الآجل.
لم تكن المشكلة يوماً في حجم الإمكانات، كما تشهد المعلومات التاريخية في مشاهد التغيير الكبرى كافة، فالإنسان يصنع الإمكانات، وإن لم يكن على هذا المستوى وأهديت إليه يحرقها حرقاً دون جدوى.
هذا ما نرصد الشواهد عليه هذه الأيام أيضاً.. ونشهد أن الأنظمة القائمة عاجزة عن إدراكه، فقد ولدت في رحم مصانع التسليم والتراجع والخنوع، وتوظيف ما تتسلّط عليه من إمكانات الشعوب لقهر الشعوب واستغلالها في الدرجة الأولى، وليس في الدفاع عنها ناهيك عن تحقيق رخائها. 
جميع ذلك نعرفه، ومن لا يعرفه يستطيع أن يراه فور التأمل لحظة فيما حوله.. ولكن هذا بالذات ما يجعلنا نتساءل: أين هي النخب؟.. 
أليس الأصل أن تكون هي في مقدمة من يرى ويفكر ويخطط ويحرك؟..
 ألا تدرك أنها هي المهددة في أصل وجودها، كسواها، بل قبل سواها، ليس من جانب الأنظمة التي علمت أنّه لا خطر منها بعد إفساح المجال لها لتقول ما تريد، ما دامت لا ترتفع إلى مستوى “مقتضيات” ما تقول، ومادامت متشبثة بأساليبها القديمة، بدءاً بالتملّق مروراً بالتسامح، وانتهاءً ببيانات التنديد الكلامية. 
النخب مهددة من جانب الشعوب، أن تتجاوزها ليولد من داخل الغليان في طريق بطولاتها وتضحياتها ومعاناتها وآلامها جيل جديد من النخب، ومن القيادات.. يصنعها الغليان ويصنعها أيضاً الوعي بأنّ الأمل الأكبر بات معقوداً على الشعوب نفسها.
الإرادة الشعبية لا يمكن أن تنكسر، هذا ما يسري على الشعوب عامّة ويسري على الشعوب العربية والإسلامية، ولئن كانت أدوات حصارها وكبتها في الوقت الحاضر تبدو تحت وقع المآسي وأحداثها، وكأنّها قد حقّقت الغرض منها، فإنّ معالم التغيير هي الأوضح للعيان، وتؤكّد أنّ المخاض الحالي الذي تشهده الارض العربية والإسلامية ليس مخاض التسليم لهيمنة قوة عالمية وأخرى إقليمية، بل هو مخاض إسقاط الهيمنة رغم أنفها مع الاستبداد رغم أنفه.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *