الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / صراع الجبهتين

صراع الجبهتين

حافظ قرقوط
القتال الدائر في بعض مناطق جبل الزاوية بين جبهة النصرة وجبهة ثوار سوريا يثير العديد من التساؤلات والقلق لدى السوريين، فإن كانت هذه المعارك، وما ينتج عنها هي مغانم مجانية يفرحُ بها نظام الأسد، فهي بالمقابل رسائلُ بالغة الخطورة للعالم على مدى جديّة فصائل المعارضة السورية في هدفها الأساس بتخليص السوريين من الظلم.
 وعلى هذا، فالعالم يبني سياساته التي تتلّخص بأن هذه المعارضة لا تستحقُّ الدعمَ، وهي ليست سوى قوى متناحرة على امتلاك مساحات ومواقع لتتربّع على عرشها، وترفع راياتها لا رايات الوطن. 
والحقيقة، هي ليست حوادث منعزلة، فقد عانت الثورة السورية منذ أن انتقلت إلى ساحات القتال، من هذه الصراعات والتناحرات والتصفيات والتغنّي بانتصارات وهمية، ولم تستطع أن تعيد الإنسان آمناً إليها، فهو يعرف أنه إن نجا من الأسد فسلاح هذه الفصائل يلاحقه أينما حل.
 ولعل تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي اتجه نحو آبار النفط وبعض المعابر الشرقية وكذلك مخازن الحبوب، ثم تمدّد في مناطق كانت قد سيطرت عليها المعارضة السورية، وبسط رايته تحت ذرائع صنعت بقوالب أدت جميعها إلى مزيد من الآلام للسوريين وإلى التلاعب بمصير ثورتهم وتشويهها وحرفها عن مسارها، وانشغال الثوار بصراعات تفتك بهم، وبالوقت الذي يمر ثقيلاً على السوريين، تأتي خلال الأيام الماضية هذه الصراعات الجديدة بين الجبهتين لتزيد الطين بلة، لقد زودتنا الأيام السابقة أيضاً بوساطات وتعهُّدات لوقف هذا الصراع، لكنها كانت تخرق كل يوم وتوضع ذرائع جديدة لها.
هنا لا يهتم السوريون إن كان هذا التنظيم أو ذاك له أساس في تنظيم القاعدة العالمي أو إذا كان صراعاً خليجياً – خليجياً على الأرض السورية أو خليجياً – تركياً أو دولياً بأيادٍ محلية، بل يعنيهم وطنهم الذي تربّع في زواياه وعلى مداخل بيوتهم من يحلل ويحرم، ويحدد الصالح من الطالح، ويدخلهم في أحاديث وتشنجات جانبية تضع أسباب ثورتهم جانباً ليرتاح الأسد في قصره، وتموت الناس الناجية من القتال جوعاً وتشريداً وبرداً وما شابه.
 السوريون يقولون، إنهم باتوا فريسة نزوات طائشة ابتدأها سياسيوهم في المنابر من جهة وخلف الكواليس المغلقة منذ تشكيل مجلس وطني إلى الآن، وما نتج عنها من هدر للطاقات والوقت، تناسخ الخلاف نفسه لكن بشعارات أخرى غير سياسية بل في شؤون العقيدة، في وقت هو من أصعب الأوقات التي تعصف بالسوريين المنكوبين.
ففي توازي هذه الحرب التي أعلنتها دول التحالف على هذه الأرض ضد تنظيم نما وترعرع تحت أنظار سياسيي هذا التحالف نفسه حين تجاهلوا السوريين وآلامهم، وتركوه كما تركوا الأسد وجيشه يتغوّل بالدماء السورية، وكما تركوا تلك الفصائل الغريبة عن هذا التراب تحمل رايات الثأر للحسين من فقراء سوريا وأطفالها، ها هي فصائلنا المعارضة تلتهم بعضها لنضع بيدنا بوادر مشروع قادم للقتل والانتقام، فجبهة النصرة التي أعلنت سابقاً ابتعادها عن تنظيم الدولة وأن بندقيتها موجهة نحو النظام، هي مازالت بالنسبة للجميع فرع لتنظيم القاعدة على الأرض السورية، وهي اليوم أمام امتحان ربما هو الأهم كونها تعلم أن العالم والسوريين يراقبون الحدث السوري، ويعكسونه على سياسات قادمة مبنية على معطيات الدم النازف والسلوك والإحساس بالمسؤولية، هذا ليس دفاعاً عن جبهة ثوار سوريا والتي هي بالأساس لا يمكن الجزم بما ستقدمه للسوريين مستقبلاً لكن الأمر الواقع الآن يفرض نفسه والتعاطي معه أصبح ضرورة، فإن توحد عدة فصائل وكتائب سابقاً تحت اسم واحد هو خطوة على الأقل لتخفيف عبء حفظ السوريين للأسماء، فقد أرهقوا من عدد المسميات الهائلة لفصائل تقاتل باسمهم منذ أن اشتبكوا مع جيشهم الحر، وأعادوه كفصيل هامشي كأيِّ فصيل. 
لكن هذا الصراع بين الجبهتين النصرة وثوار سوريا بريف إدلب بالتزامن مع تقدم النظام في ريف حماة والتوجه شمالاً نحو قضم الريف الإدلبي هو ما يثير الريبة، ترى هذه الذخيرة المستهلكة وذلك العدد من الضحايا لو كانت في قتال النظام على خط مورك، كيف كنا سنقرأ تلك المعادلة التي يصرح بها النظام الآن عن مكاسبه التي خفف من خلالها الضغط على وادي الضيف وأمّن إمداد جبهة حلب، هذا عدا عن تبادل الحملات الإعلامية بين الجبهتين على مواقع الأخبار وغيرها والتي لا طائل منها سوى زيادة التشويش على سمع السوريين وبصرهم.
 بجميع الأحوال فإن نداء السوريين الآن بحملة “مو وقتا” يخفي هذا القلق السوري العميق على أن هناك وقتاً آخر سيفجّر صراعات نائمة حتى بعد سقوط الأسد، وهذه الحملة تتأمل أن تتكاتف الأيدي لإسقاط الأسد، وربما الزمن يقف لمصلحتنا لتجنُّب مخاطر الصراعات الجانبية، ومثلها كانت مبادرة “ولا تنازعوا” التي أطلقها مجموعة من علماء وطلاب علم كما أعلنوا حيث حاولت تثبيت هدنة، ولكنها لم تصمد، الآن ربما تصمد بعض التفاهمات هنا وهناك، وربما نسمع عن صراعات تتفجر في أماكن أخرى.
لكن ذاكرة السوريين المرهقة أصلاً من حجم ما حوته من جرائم الأسد وكتائب المرتزقة المساندة له أصبحت أيضاً جريحة تبحث عن ملاذ من مال يحرّك بندقية في جوار قبور شهداء الحرية ليدفن ذاكرة ثورة بذاكرة دماء متشعبة المرجعية، هو أولاً وأخيراً مال سياسي قذر يُبيَّض في خيم اللجوء وبعض أكياس الطحين وصراخ في مؤتمرات دولية تتفق على أمر واحد أن السوريين يجب أن تعطى لهم حقوق اللاجئين لا حقوق مواطن في بلد حر اسمه سوريا.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *