عكيد جولي - مساهمات القراء/
شأن المرأة الكردية في محافظة الحسكة هو شأن الفتيات في عموم سوريا؛ معاناة وهضم للحقوق ونظرة مجتمعية قمعية ضيقة. ففي الشرق الأوسط عموماً، وفي سوريا خصوصاً، لا سلطة تعلو فوق سلطة الرجل، فالتقاليد والأعراف وأحياناً القوانين، لا تنصف حق الفتاة. وإذا ما تعمقنا قليلاً في تاريخ المرأة في المجتمع الكردي لرأيناها الجندي المجهول الذي واكب كل تطورات ومراحل تقدم المجتمع الكردي؛ فقد كانت الفلاحة في الحقل والتي يمتزج عرقها مع عرق الرجل، وتعمل لساعاتٍ تضاهي ساعات عمل الرجال، ناسية أو متناسية أنوثتها، بهدف مساعدة منزلها.
وعن هذا المشهد بالتحديد، تحدّثنا “حياة”، 37 عاماً، وهي من مدينة القامشلي شمال شرق سوريا، عن تجربتها: “أتذكرُ أنني كنت في 13 من عمري حيث كانت أمي تأخذني مع مجموعة من الفتيات الأخريات إلى حصاد محصول العدس. كان صاحب الأرض يحدد لنا مساحة كبيرة لم أكن أرى نهاية لها، فتطلب منا أمي أن نبدأ العمل وأن ننجزه قبل الغروب. كنت أقول في سري أن هذا مُحال، لكن لا حول ولا قوة، فأنا لا أكن أجرؤ على الشكوى”. وتتابع حياة حديثها “حينها، كانت الدنيا كلها لا تعنيني بقدر ما كانت تعنيني ساعة الاستراحة في الظهيرة، حتى أنني أتذكر أنني كنت أتوسل إلى الله أن تسرع الشمس إلى الظهيرة كي نستريح قليلاً ونتناول الطعام”. وتمضي حياة في حديثها: “بقينا على هذا الحال من قطعة أرض إلى أخرى ومن موسم العدس إلى موسم البندورة ثم إلى موسم القطن..كانت مواسمي لا تقاس بفصول السنة بل بطبيعة العمل”. تتابع حياة بغصة: “ما كان يحرق قلبي أنيا ما كنا نرى أو نعرف قيمة تعبنا، فالمال عند أمي، وهي بالفطرة تذهب لتعطيه لأبي. أتذكر أنها حرمتني من المدرسة عندما كنت في الصف السابع في إعدادية أسعد محمود في حي الهلالية في القامشلي، وعندما سألتها عن السبب أجابتني بالحرف الواحد: ماذا ستفعلين بالتعليم، يجب أن نعمل فأخوتك الذكور يجب أن يتابعوا تعليمهم ونحن لا نستطيع الإنفاق على الجميع”.
ومثل “حياة”، هناك الكثير من الفتيات في المجتمع الكردي، وبالأخص في الأرياف، ممن حرموا من إكمال تعليمهن. لكن النسبة كانت تختلف في هذا المجال بين الريف والمدينة، فقد وفر ما تحمله المدينة من خدمات وأسلوب عيش ومتابعة لمدارس من قبل مؤسسات التربية، نسبة لا بأس بها من تعليم الفتيات، عكس ما كان يحصل في الريف.
هنادي محمد، فتاة من مدينة عامودا، كانت مثالاً على تلك الفتاة التي أتيحت لها فرصة إكمال تعليمها، فتخرجت من الجامعة وهي الآن معلمة في مدرسة (أم الأسود تحتاني) بريف مدينة عامودا. تتحدث هنادي عن تجربتها في التعليم قائلة: “إذا اعتقدنا نحن الفتيات أن المجتمع الكردي سوف ينصفنا، فنحن واهمات. لا بدّ من إثبات وجودنا بأنفسنا، لقد أكملت تعليمي وتخرجت من الجامعة في محافظة الحسكة، وأُدَرّس الآن في مدرسة ريفية. كل ما أستطيع قوله أن حياتي لا تشبه حياة أختي التي شاءت الظروف أن تترك المدرسة وتتزوج”. وأضافت محمد: “أشعر أن نظرة المجتمع إليَّ إيجابية أكثر بكثير من باقي الفتيات، وأودُّ القول بأن كوننا متعلمات لا يكفي، بل يتوجب علينا العمل الآن، لأن العمل يمنحنا شخصيتنا المستقلة من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية، مع استمرار تقييدنا دوماً بالعادات والتقاليد. نحن بحاجة إلى ثورة كي نأخذ كامل حقوقنا”.
إذاً فالفتاة الكردية بحاجة إلى ثورة من وجهة نظر (هنادي)، ثورة شاءت الأقدار أن تزور سوريا وتحط رحالها في المناطق الكردية على وجه التحديد. وما إن قامت تلك الثورة حتى توسعت مشاركة المرأة في مختلف المجالات، فقد دخلت الوسط السياسي لتقوم بثورة داخل ثورة، كما يرى المراقبون، وقد اندمجت بشكل ملحوظ في النشاطات السياسية والحزبية، وكأنها كانت تنتظر لحظة عمرها، لحظة قدمتها الأقدار على طبق من ذهب.
من الفتيات اللاتي شاركن في العمل السياسي، التقينا بـ جاندا عبد الحميد بشار، وهي عضوة في الحزب الديمقراطي الكردي-سوريا، وعضوة اتحاد الطلبة الكرد. تؤكد جاندا دور الثورة في تحقيق الكثير من الفرص وإتاحة الكثير من الهوامش في كافة المجالات للفتاة الكردية، وتقول بأن العمل السياسي كان حكراً على الرجل بامتياز، فالفتاة الكردية كانت دوماً تشعر بالغبن: “حين اندلعت الثورة ومنذ الأيام الأولى، شاركت الفتاة في المناطق الكردية بشكل فعال في المظاهرات الشبابية، وتطور الأمر أكثر مع انخراطها في العمل السياسي. وبالنسبة لي، فقد قمت بالعديد من الأنشطة الحزبية، وكنت من أوائل المنتسبات إلى اتحاد الطلبة الكرد، والذي يشكل إطاراً شبابياً جامعاً للفتيات والشباب”.
تشارك جاندا في الأنشطة السياسية والشبابية، كما أنها تساهم في إصدار مجلة شهرية باسم الاتحاد، وتتابع حديثها: “بصراحة، لاحظت تغييراً ملموساً في نظرة المجتمع للفتاة الكردية، فمشاركتنا الواسعة في الأنشطة السياسية والشبابية وغيرها، أتاحت لنا فرصة تقديم أنفسنا للمجتمع بالصورة الصحيحة لنكسر جدار التقاليد التي أرهقتنا”.
الثورة السورية أتاحت للفتاة جاندا وغيرها من الفتيات الكرديات، فرصة التغلب على نفسها أولاً والتغلب على التقاليد والأعراف السائدة في المجتمع ثانياً. فسلطة الرجل التي كانت تمارس ضدها في المنزل وسلطة المجتمع خارج المنزل أحجمتا دورها بشكل كبير في ممارسة أبسط حقوقها، لتبرهن الفتاة الكردية مجدداً في ظل الثورة بأن الخطأ منذ البداية ما كان في فيزيولوجيتها بقدر ما كان في أيديولوجية الرجل. فحتى زمن قريب، كان مجرد رؤية فتاة تقود سيارة أمراً يثير الدهشة والاستغراب، فترى جميع الرؤوس تلتفت نحو السيارة، وبعد مرور السيارة ينظرون لبعضهم ليقولوا الجملة الأشهر في هذا المشهد، والمحكية في المنطقة للتعبير عن فلتان المجتمع “الدنيا خربت”. وكأن قيادة فتاة للسيارة أصبحت من علامات يوم القيامة.
وعن هذا المشهد بالذّات تحدثنا سلوى علي، وهي حلّاقة نسائية تعمل في صالون تجميل: “أتعبني عملي كثيراً، خاصةً فيما يتعلق بالذهاب والمجيء يومياً من المنزل إلى الصالون، فقررت شراء سيارة بعد أن جمعت مبلغاً من المال. وافق زوجي على الفكرة وشجعني كثيراً وقام هو بنفسه بتعليمي قيادة السيارة، لكن ما رأيته من تقبّل لدى زوجي لم أرهُ عند أحدٍ قط”. بدأ الناس ينظرون إلى سلوى عند قيادتها السيارة بنظرة اتهام، وكانت أحياناً تسمع كلاماً سخيفاً من معظمهم. تتابع سلوى: “بقيتُ هكذا حتى قرابة ثلاث سنوات، وبالفعل حصل تغيير جذري بعد قيام الثورة في سوريا. لا أدري هل انشغل الناس بأنفسهم وأمورهم، أم أن نظرتهم بالفعل تغيرت. لكن كل ذلك لا يهم، المهم أنني ارتحت من تلك النظرة السلبية”.
وإذا حاولنا تقييم دور المرأة الكردية في سوريا ونظرة المجتمع لها، في محولة للتأريخ، فإننا سنقسّم مراحل ذلك الدور إلى مرحلتين: أولاً، مرحلة ما قبل الثورة، وثانياً مرحلة الثورة السورية. فكل المراقبين متفقون على أن قيام الثورة في المناطق الكردية كانت بمثابة نقطة تحوّل في تاريخ المرأة الكردية. ولم ينحصر دورها في المجال السياسي والمدني والثقافي، فدورها لم يكن أقل شأناً في مجال مؤسسات المجتمع المدني، وبالتحديد المؤسسات الخدمية التي تأخذ طابعاً إنسانياً.
سلمى أحمد من مدينة عامودا، كانت ضمن المؤسسين لجمعية (نو جيان) لذوي الاحتياجات الخاصة، وقد ساهمت كثيراً في عمل الجمعية. وعند سؤالنا لها عن دورها في الجمعية وكيفية نضج الفكرة، أجابت: “كنت ورفيقاتي من أوائل المشاركات في المظاهرات التي عمّت المناطق الكردية في سوريا. ومنذ اليوم الأول، كنا نساعد تنسيقية عامودا في خياطة الأعلام واللافتات. وبمرور الوقت، فكّرنا بعملٍ أكثر تأثيراً على المجتمع، خاصةً على الصعيد المحلي، فكانت فكرة جمعية نو جيان لذوي الاحتياجات الخاصة، وبالفعل تكللّ العمل بالنجاح وقمنا بالكثير من النشاطات لذوي الاحتياجات الخاصة”.
كانت سملى مسرورة جداً بعملها في (نو جيان) لأنها شعرت بوجودها في المجتمع، وشعرت بالأمل لأول مرة كإنسانة مؤثرة فيه، على حد قولها.
تجربة إنسانية بامتياز خاضتها سلمى ورفيقاتها لتثبت مرة أخرى أن الفتاة الكردية لا تقل شأناً ولا عملاً ولا فكراً عن الرجل، وأن الحياة تكامل وليست تفاضل. لقد تغيّرت المفاهيم والمقاييس بسرعة البرق في ظل سنوات الثورة والانفتاح على عمل ومشاركة الفتاة في مختلف المجالات، الذي أصبح مقبولاً بشكلٍ أفضل من ذي قبل. وكي نكون منصفين أكثر، فإن النظرة الإيجابية لم تتحقق بشكلٍ كامل لدى الرجل، ولكن النظرة السلبية للفتاة تناقصت بشكلٍ كبير جداً، ما يشجع على مشاركة الفتاة الكردية مستقبلاً في فضاءات أكثر، واجتيازها مراحل أكثر تقدما في العمل. فالنسبة لها، الماضي لن يعود. ومن اليوم فصاعداً، سيكون مستقبلها من صنع يدها، ما يُبشر بتغيير ديناميكية المجتمع ككُل.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث