الرئيسية / تحقيقات / فصل من تغريبة السوريين بقايا مهاجرين غير شرعيين.. ممن لم تحصدهم آلة الموت

فصل من تغريبة السوريين بقايا مهاجرين غير شرعيين.. ممن لم تحصدهم آلة الموت

تحقيق: سلمى إدلبي
لم يكن الطريق لبلاد الأحلام مفروشاً بالمال والشقراوات والحرية التي نشدها السوريون، بل ثمّة موتٌ مختلفٌ كان بانتظار الألوف قبل أن تبدأ هجرة الهاربين من رمضاء نيران الأسد إلى نيران الموت غرقاً، أو إلى تشتت ومعاناة لم تكن تخطر لهؤلاء للمهاجرين يوماً على بال.
ضاقت البلاد بأهليها، وضيّق الأشقاء على السوريين، ولم يوفوهم ديون الأمس، ما دفع شبابنا لزهق آلاف الدولارات، لتبدأ رحلات الموت من تركيا إلى اليونان أو إلى إيطاليا بحراً، أو عبر دول المغرب العربي، ليكتمل مشهد الموت المحتّم.. وإن اختلفت الطرائق والأرض.
هاكم الحكاية من البداية:
عندما سألته: ما دفعك للهجرة يا ستيف؟ أجابني قائلاً: “اسأل مجرب ولو كنت مهرب”. 
لم يقلها من قبيل السخرية أو المزاح.. بل كانت تحمل من المرارة ما يكفي. وأضاف: هي الحرب و… وغصت حنجرته بالكلمات.. 
“هربت من جحيم الحرب إلى موطن آخر أنشد السلام والهدوء، لا غنى لي عن وطني، صحيح، ولكنني أريد أن أعيش. أنا صحفي.. هاجرت. هي هجرة غير شرعية طبعاً، ودخيلك، مين سائل على الشرعية بعد كل الذي حصل؟ من مصر رحلت، لا أسهل أن تجد سمساراً للهجرة هناك.. خرجت من مدينة الاسكندرية في الحادي والعشرين من آب أغسطس إلى بلطيم عن طريق رجل سوري سمسار يدعى (أبو عمر)، لكن رحلتنا كانت محفوفة بالألم والمخاطر، لأننا بدلنا عبر ثلاث محطات أربعة مراكب”.
لماذا بدلتم المراكب ستيف؟ لماذا لم تبقوا في مركب واحد؟
ليس هذا بيدنا. إنه قانون التهريب!
بدلنا هذه المراكب تبعاً للطريق. فلكل مركب مكان يقف عنده. ينتهي هذا الدور في نقطة ما محددة، ثم يأتي دور المركب الآخر.
تدخّل رفيق رحلته (ورد) ليتابع الحديث: بقينا في البحر ستة أيام. يا الله، ما كان أشقاها علينا! في النهاية، نفد الطعام والشراب، ودخلنا في قساوة جديدة.. أشرفنا على الهلاك..
الطريق كان شاقاً طويلاً، تسعمائة ميل، والجو بارد. والأقسى من ذلك ارتفاع موج البحر. كنا كل يوم نكاد نسلم الروح، أشد اللحظات وأقساها كانت عندما نفد الطعام في اليوم الثالث.. هكذا بقيت حالنا إلى أن أطلقنا نداء استغاثة عن طريق الثريا للصليب الأحمر الدولي الذي أرسل إلينا سفينة سنغافورية..
هذه السفينة- أو كما قال ستيف- “الباخرة” السنغافورية حاولت أن تنقلههم متهالكين إلى إيطاليا، لكن السلطات الإيطالية رفضت، وذهبت بهم السفينة إلى مالطا.
لم يعِ ستيف نفسه إلا وهو في مشقة أكبر.. إنه الآن سجين في مالطا.. مع رفاق له.. سجين في ظرف غامض.. هنا الوضع أقسى وأمرُّ.
حاولت التواصل معه بصعوبة شديدة عبر الإنترنيت.. كان قد حاول بطريقة ما أن يكتب لي بضع كلمات تبينت منها أن ستيف هو الآن في رابع سجن يدخله..
– كل يوم يدخلوننا سجناً.. هنالك سجن ذهبنا إليه مرتين.. لا أدري لماذا هذا التعذيب  والتعتير..
الأوضاع في السجن سيئة جداً، الظروف هنا بشعة.. أنا ما زلت في السجن..
كلمات ستيف الأخيرة التي أتمها عندما قال: “ما في شيء هون”..
عرفت بعد لحظات منه أن لا شيء هناك، يقصد لا وجود لحياة في السجن أيضاً، لا يوجد ما يدثرون به أنفسهم اتّقاء لقساوة ليالي مالطا الباردة، ولا جوالات ولا أي وسيلة اتصال. يضيف “أخذوا منا جوالاتنا وأجبرونا على شراء جوالات آنية الاستعمال. وأحس أنها مراقبة”.. ولا يستطيع المحتجزون في السجن أن يصلوا إلى ذويهم بكلمة اطمئنان واحدة.. لا يوجد مال ولا أي شيء.. 
كان أقسى شيء عليهم كما حدثني ستيف.. هو أنهم لا يعرفون حتى سبب وجودهم هناك في هذه السجون المريعة.
يستدرك ستيف: يأتون، لا نفهم عليهم أيّ شيء. يتكلمون لغة الحكومة.. “لازم نبصم!”. البصمة هنا في هذا المكان تعني النهاية هنا.. نحن طريقنا إلى مكان آخر. أحلامنا هنا ستتبخر. نحن هنا في مالطا ولا أعرف غير ذلك.. في مالطا فقط..
يقول لي ناجٍ آخر من قارب الموت المحتّم: هكذا يستمر صمتكم، وتستمر جريمة الموت. وإليكم ما حدث لثلاثمئة مهاجر منهم 220 سورياً جميعهم عائلات. 
يتحدّث الشابان الفلسطينيان أحمد وخالد اللذان نجَوَا من حادثة غرق مروعة “مفتعلة”، سببها جشع المهرب المصري.. في المياه الإقليمية المصرية:
بدأت معاناة المهاجرين الثلاثمائة، حيث يقول الشاب أحمد: فجأة ونحن نسير في البحر سمعنا رشقات رصاص خافتة ما انفكت تغيب عن مسامعنا، بعدها ازداد أزيز الرصاص علواً حتى أصبحنا نظن أننا ما زلنا في غزة أو في إحدى المدن السورية الثائرة. 
وبعد نجاتهم من تلك الحادثة التي بدأت تتشكل في أذهان البعض فاتحة لرحلة لن تخلو مستقبلاً من الرعب والخوف.. وبدأت القصة.
ففي البحر- يكمل الشاب إبراهيم، وهو شقيق أحمد، وأحد الشبان الثلاثة الذين نجوا في الحادثة – ” قضينا ثلاثة أيام في البحر وأربع ليال، كانت أياماً صعبة مملوءة بالرعب والخوف والجزع، أمواج البحر العالية وبرودة الجو، زادت من طول الرحلة”. 
تهديد..
في اليوم الثالث جاء اتصال للقبطان مفاده “يوجد قارب في البحر، وهو معطل، عليك أن تصلحه، وتُنزل الناس فيه وتنزل معهم”! 
هذا ما قاله الشخص المتصل- حسب رواية أحمد- إلا أن القبطان رفض أن ينزل الناس في تلك المركبة الصغيرة المعطلة.
 يقول خالد: طلب منا القبطان أن نقوم بالصراخ والتهليل عندما يقوم المتصل السابق بالاتصال مجدداً.. وحدث ذلك فعلاً.
لكن الرياح جاءت بعكس ما تمنى القبطان والمساكين الذين هاجروا هرباً من الحروب في غزة وسوريا. قام المتصل بتهديد القبطان لعائلته، لكن القبطان رفض مجدداً الخضوع لأوامر المتصل.
بداية الجريمة
استمر المركب المتهاوي بالسير في طريقه وهنا كانت الفاجعة.
يقول أحمد: كنا 300 شخص منهم ما يزيد عن 200 سوري، جميعهم من العائلات، رأينا قارباً صغيراً قادماً من العمق، حاولت عن نفسي أن أشعر بالارتياح، لكنني لم أستطع، كان في داخلي شعور عميق بالتوتر والخوف، وبعد دقائق قام القارب الصغير بضرب قاربنا المرتبك، المكتظ بالمهاجرين، فانقلب في أقل من ثانيتين، وبدأ الصراخ والمناجاة، كانت لحظات صعبة بينما كنا نحاول إنقاذ أنفسنا، إنقاذ الناس، الأطفال السوريين الذين كان عددهم لا بأس به.
موت وموت:
أصبح الناس متفرقين في البحر، من كان في مخزن القارب “الثلاجة”، فارقوا الحياة بسرعة، وبقي ما يقارب 250 شخصاً في عرض البحر. حملت على يدي طفلين سوريين، بينما كان أخي يساعد امرأة سورية مسنة. حاولنا أن نجمع أنفسنا في مكان واحد، كل شاب منا حمل طفلاً أو امرأة، وبدأنا نسقط واحداً تلو الآخر، أحد الأطفال رحلت روحه بعد أن تجمد برداً بين يدي، وآخر مات عطشاً، حاولنا بشتى الطرق أن نبقي على أكبر عدد من الأحياء، لكن.. دون جدوى، سقط الجميع ونحن عاجزون عن فعل أي شيء، أحد الشباب تفسخ جلده بسبب شدة الملوحة، وآخر قلعت عيناه، وآخرون فارقونا بعذابات مختلفة. أما الأكثر ألما عندما فقد البعض عقولهم وبدأوا يتوهمون أشياء غريبة، يهلوسون، ويصرخون. أحدهم صرخ:
هنالك نفق للقسام سأسبح حتى أعثر عليه. يكمل أحمد:
حاولنا اللحاق به لكنه ذهب سباحة إلى حتفه في الأعماق.
عذاب مستمر حتى النهاية:
الشبان الذين بقوا على قيد الحياة حتى تلك اللحظة، ابتسموا لأول مرة بعد 13 ساعة من الصراخ والنحيب، بعد أن رأينا طائرة في الأجواء فوقنا، وبدأنا التلويح لها والصراخ آملين أن يرانا طاقمنا فينقذنا. يكمل إبراهيم:
رمت الطائرة برميلاً على بعد ما يقارب كيلومترين منا، لم نعرف ماهيته أو محتواه، وعدنا إلى التساقط من جديد. بت  أطلب من الله أن ينهي عذابي اللامتناهي هذا، ويميتني. وبقينا كذلك حتى رحل معظمنا، وأصبحنا أربعة أشخاص فقط، ساعات على تلك الحال حتى جاءت متأخرة كثيراً، وكثيراً جداً… باخرة ضخمة تقلنا إلى اليابسة. ورغم قدومها أبت معاناتنا أن تنتهي، لقد سقط أحدنا صريعاً على جنباتها. إنه شقيق الشاب الذي نجا معنا أنا وأخي.
يبقى السؤال يطرح نفسه دوماً: مَن المسؤول عن أرواح هؤلاء الأبرياء؟ هل هو المجتمع الدولي بمنظماته الحقوقية والإنسانية تلك التي ما تفتأ تذكر أهدافها السامية التي أنشأت نفسها من أجله والتي نسيت السوريين وأقرانهم من الفلسطينيين في أعماق البحار؟ أم هذا النظام الذي أغرق أهل بلده بالدم قبل أن يدفع بهم إلى الغرق في محيطات العالم؟ أم تلك المعارضة التي لا تزال في كل يوم وليلة تتحدث عن تمثيلها لهؤلاء البسطاء المساكين المظلومين؟ علماً بأنهم لم يجدوا منها شيئا سوى أنها تجتمع بنفسها لتنتخب نفسها من جديد..
الإجابة شاقة وصعبة والرحلة إليها طويلة.. طول أمد معاناة السوريين.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *