عبد القادر عبد اللي /
عندما أعلنت قوات سورية الديمقراطية “قسد” معركة تحرير الرقة، كان من المفروض نشوب معارك بين هذه القوات وتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في المنطقة الشرقية حيث توجد “قسد”. ولكن الأمر “المستغرب” أن داعش قامت بانسحابات “تكتيكية” كبرى شملت عشرات القرى دون إطلاق رصاصة واحدة لصالح “قسد”، لا، بل وهناك الأنكى والأشد مرارة، فهي لم تترك الجبهة الشرقية دون قتال فحسب، بل فتحت الجبهة الشرقية الجديدة ضد الجيش الحر أو ما اصطلح على تسميته المعارضة المعتدلة.
منذ أربع سنوات تطالب حكومة العدالة والتنمية الولايات المتحدة وحلف الناتو بتقديم الدعم لها لتأسيس منطقة آمنة، ويقدم الحزب “الأسباب الإنسانية” ذريعة لإقامة هذه المنطقة، فعندما تكون آمنة يستطيع اللاجئون السوريون اللجوء إليها، ويخفف عن تركيا وعن أوربا أعباء اللاجئين.
أخيراً، بالتزامن مع إعلان معركة “تحرير الرقة”، أعلنت الولايات المتحدة دعمها تركيا لإقامة منطقة آمنة تمتد بين عين العرب/ كوباني وعفرين. وبالطبع لا يخفى على أحد أن هذه المنطقة كانت تركيا تريدها بشدة لمنع التواصل بين الكانتونات الكردية. ولكن تركيا لم ترد إيجاباً على هذا الدعم الأمريكي، فلديها من التجربة والخبرة ما يكفيها لمعرفة أن الأمريكان لا يعملون إلا لمصالحهم فقط. ومن جهة أخرى لا يغيب عن الأعين أن دخول تركيا هذه المعركة سيكون لصالح وحدات حماية الشعب الكردية التي تشكل غالبية “قسد”، وتضم هذه القوات عدداً كبيراً من أعضاء حزب العمال الكردستاني الذين يحملون الجنسية التركية، وليس من مصلحتها فتح الجبهة على داعش الآن.
هنا جاءت حركة داعش التي فاجأت كثيرين، فقد التقت بندقيتها مع بندقية وحدات الحماية الشعبية التي تشكل غالبية “قسد”، فتركت تلك القوات، وخاضت قتالاً دامياً ضد فصائل الجيش الحر أو ما اصطلح على تسميته “المعارضة المعتدلة”، وكان الهجوم على مارع وما وحولها، أي على ما بيد المعارضة المعتدلة من أرض في المنطقة التي كانت تركيا تعلن أنها تريدها منطقة آمنة.
في الحقيقة أن التقاء بنادق من يبدون خصوماً ليس جديداً، وخاصة في منطقتنا. فقد سبق أن التقت بندقية الأسد ببندقية إسرائيل ضد الفلسطيني في تل الزعتر، واليوم تلتقي بنادق أحفاد ضحايا تل الزعتر مع بندقية الأسد الابن ضد أطفال ونساء سورية. ولهذا السبب ليس مستغرباً أن تلتقي بنادق حماية الشعب الكردية مع بنادق داعش، فالمصلحة فوق كل شيء، ويمكن أن نقرأ بوضوح مصلحة وحدات الحماية الشعبية بالاستفادة من هجوم داعش على ما بات يُسمى المعارضة المعتدلة، وتهاجهما أيضاً فهي تريد المنطقة، وتطمح لتحقيق دولة تمتد على الشريط الجنوبي لتركيا تفصل تركيا والمنطقة العربية. ولكن أين مصلحة داعش من كل هذا؟
صحيح أن الجيش الحر أو المعارضة المعتدلة تصنف لدى داعش “مرتدة” وصحيح أن داعش تعتبر النظام السوري كافراً، وعلى هذا الأساس فإن محاربة المرتد أولى من محاربة الكافر، وبهذا تمّت التغطية “الشرعية” على العلاقة بين داعش والأسد، ولكن ما هو تصنيف الوحدات الكردية المقاتلة في بنية “قسد” بالنسبة إلى “داعش”؟ بما أنها سنيّة، فلابد أنها مرتدة أيضاً. وهي ليست كذلك فقط، بل أكثر من هذا ففيها “جنود صليبيون من أعداء الدولة الإسلامية” بحسب مصطلحات داعش، والمقصود بهذا هم الجنود الأمريكان الذين يقاتلون مع هذه القوات. وهذا الحشد كله يعطي داعش أولوية لقتالهم، فلماذا انسحبت من أمامهم، واتجهت باتجاه عكسي تقاتل المعارضة المعتدلة؟
يمكن أن يخطر بالبال تفسير ما فعلته “داعش” بأنه تكتيك… ولكن هذا أيضاً لا يصب بمصلحة التنظيم، وهو يقود إلى مكان آخر، إلى تحالف قذر، يؤدي إلى تحقيق هدف النظام. نعم، وقد أعلن هذا التكتيك ذات مرة على شاشة التلفزيون السوري المحلل الاستراتيجي الفائق المهارات الدكتور ناصر قنديل، وقال بالحرف: “الهدف هو القضاء على ما يُسمى الجيش الحر، ليقف العالم أمام أحد خيارين: الأسد أو داعش!”
فهل تكتيك تنظيم داعش أيضاً أن يقول للعالم ليس هناك في البلد سوى النظام وداعش وقسد، فعليك أن تختار بين هذه القوى؟ وإذا ما كان هذا تكتيكه، فهل يأمل بأن يختاره العالم، ويفضّله على نظام الملالي الحليف الأقوى والأجد في المنطقة للولايات المتحدة الأمريكية أو على قوات قسد التي شكلها ودربها وسلحها؟
الأمور في مجراها الطبيعي تشير إلى أن داعش هي المنظمة الأكثر خدمة للنظام السوري ومتعهده الإيراني. فإغلاق الحدود التركية على الدعم بأشكاله كافة تخدم النظام، وتُسهل للنظام الإيراني ارتكاب المزيد من المجازر، والتطهير العرقي، والتغيير الديموغرافي على طريق تحقيق الإمبراطورية الساسانية التي تعلن إيران ليلاً نهاراً أنها بصدد إحيائها.
المعروف أيضاً أن هذا “التكتيك” يضر بالمصالح الاستراتيجية التركية، ولذلك يمكن أن تضطر القوات المسلحة التركية للدخول في مواجهة “داعش”، وفرض المنطقة الآمنة كخيار أمريكي هذه المرة، وليس خياراً تركياً، وهذا ما سيؤدي إلى نهاية التنظيم في سورية، وبقائه في جيب دير الزور لفترة مؤقتة، وفي أحسن الحالات خلايا نائمة هنا وهناك تقتل الناس بتهمة الردة.
في حال قولنا إن داعش لم يختر أن تلتقي بندقيته مع بندقية وحدات حماية الشعب والنظام وأمريكا الصليبية لأنه مرتبط بالنظام السوري وأجهزته الأمنية، فإن عملياته العسكرية تدل على نتيجة واحدة أخرى وهي أنه ضد نفسه. أي أن داعش ضد داعش.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث