أحمد العربي
ينشغل الرأي
العام العالمي اليوم بقضية قرية، وتجهد الدبلوماسيات الغربية نفسها للحؤول
دون سقوطها، ويضخم الإعلام العربي تلك القضية بشكل مبالغ فيه، وغير مبرر على حساب
أحداث أكثر أهمية وحساسية في المنطقة.
وقد يكون ذلك في إطار الدعم
الإعلامي للكرد كونهم الطرف المختار دولياً لمواجهة تنظيم الدولة في سوريا، كما في
العراق، لكن يبقى للصراع الدائر في عين العرب وجه يغفله الجميع، ولا يؤتى على ذكره
ألا وهو طبيعة الطرفين المتصارعين، وماهية الصراع.
فلو بدأنا بطبيعة الصراع الدائر لوجدناه صراعاً
مصلحياً لقوى كبرى إقليمية ودولية، لا يلعب
فيه جهاديو داعش أو الأكراد أكثر مما يلعبه البيدق على رقعة الشطرنج،
بالرغم من أنه شبه لهم على أنه يخدم مصلحة الطرفين. فالبنسبة لتنظيم الدولة
الإسلامية لا تشكل عين العرب أية أهمية فالأرض المفترضة لهذه الدولة متصلة ببعضها
في سوريا والعراق دون المرور بالمناطق الكردية ناهيك عن أنها لا تحوي ثروات طبيعية،
وهو نوع الأرض التي يفضلها التنظيم، فلماذا هذا الإصرار على دخولها؟
لا يوجد تفسير غير المصالح التركية المتمثلة في
استنزاف قوة الأكراد، أي أكراد حزب العمال الكردستاني، العدو التقليدي لتركيا
والذي لا تخفي تسميته بوحدات الحماية وجهه الحقيقي عن الأتراك، ومن ثم استغلال
حالة الرعب التي خلقها التنظيم من خلال ممارساته الانتقامية في كل المناطق التي
تقاوم سيطرته عليها لجعل الأكراد يستجدون الحكومة التركية التدخل كمنقذ للمدينة،
وبذلك يقيم الأتراك المنطقة العازلة التي ستوئِدُ الحلم الكردي بالاستقلال في
سوريا والعراق، وبأيدي الأكراد أنفسهم، وتلك اللعبة التركية الناجحة بامتياز حتى
الآن لدرجة أن أكراد تركيا خرجوا متظاهرين، وفي صدامات دامية مع الأمن التركي
احتجاجاً على عدم التدخل في عين العرب. وهذا النجاح تكلله الجعجعة الدبلوماسية
الأمريكية والأوربية والتي بدون طحين حتى الآن لتوحي للأكراد بالاهتمام الدولي
بقضاياهم لدفعهم للانغماس أكثر في حرب بالوكالة عن الغرب، كما صرح الأمريكيون
بأنهم سيحاربون تنظيم الدولة حتى آخر جندي كردي.
وكعادتهم سيدفع الأكراد فاتورة اللعب مع الكبار،
فهم قدموا أنفسهم في سوريا والعراق كالمرتزقة المهاجرين الذين جندتهم أمريكا للحرب
في العراق، إذا نجوا من الحرب فلهم الجنسية الأمريكية، وإن قتلوا فقد ذهبوا مع
الريح، وكذلك الأكراد الذين حلموا بالمساعدات العسكرية الغربية لهم ولكنهم لم
يحسبوا الخسارة التي ستلحق بهم، والفاتورة التي سيدفعونها دماً في حربهم وحيدين ضد
تنظيم الدولة.
أما عن ماهية الطرفين المتصارعين فهما متشابهان
إلى درجة التطابق، فكلا الطرفين يؤمن بقضية عدمية لا وجود لها سوى في مخيلة شباب
ضائع يبحث عن هوية فلا الخلافة يمكن أن تعود يوماً، ولم تقم للكرد من قبل دولة
موحدة لتقوم لهم اليوم.فالطرفان اليوم يمثلان دونكشوت العصر، ويحاربان طواحين
الهواء، إضافة إلى أن الطرفين أيضاً لا يمتلكان حاضنة شعبية بل يثقل كل منهم عاتق
حاضنته الافتراضية بأوهامه. فلا السنة راغبون بإحياء الخلافة، ولا الكرد البسطاء
في قراهم راغبون بدولة مستقلة في تركيا أو سوريا أو العراق، وما قضية الطرفين إلا
وسيلة تستغلها قوى كبرى حسب مصالحها لإرباك هذه الدولة أو تلك بدماء شباب ساذج
يعتقد نفسه صاحب قضية.
الوجه الآخر للشبه يكمن في
الممارسات، فتنظيم الدولة لا تختلف ممارساته عن مممارسات حزب العمال الكردستاني
وجناحه في سوريا ما يسمى وحدات حماية الشعب، فنظرة بسيطة إلى تاريخه كفيلة بإظهار إرهابه، فقد
استخدموا الانتحاريين والسيارات المفخخة ضد المدنيين الأتراك، ولم تجف بعد دماء
ضحايا مجزرة تل حميس في الحسكة بسوريا والتي نفذتها وحدات الحماية الكردية بحق 45
طفلاً وامرأة من العرب ناهيك عن أن الطرفين في سوريا مهادنان للنظام، وضد الثورة.
فوحدات الحماية قمعت التظاهرات في المناطق
الكردية واعتقلت، وقتلت الكثير من الناشطين الكرد، وهي ممارسات لا تختلف عن
ممارسات داعش في المناطق المحررة، لذلك فالصراع اليوم هو بين طرفين إرهابيين لا
يقل أحدهما إجراماً عن الآخر( تنظيم الدولة وحزب
العمال الكردستاني)، وكلاهما
يشكل خطراً على الثورة السورية الآن، وخطراً وجودياً على الدولة السورية مستقبلاً وعلى
الكرد كمكون أساسي في هذه الدولة .
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث