الرئيسية / Uncategorized / أمل دنقل .. في ذكرى رحيلك لن نصالح

أمل دنقل .. في ذكرى رحيلك لن نصالح

صدى الشام/

هي الذكرى الثالثة والثلاثين لرحيل الشاعر أمل دنقل، لكننا نحن السوريين الذين شنقهم العالم بحبل أحلامهم، ثم وزع الجوائز على صور موتهم الطويل، نقرأه الآن كثيرا، لنكتشف أنه لم يمت أبدا، وأنه يولد الآن فينا؛ يولد مع كل قصيدة نقرأها، ومع كل دهشة تعترينا حين نجد موتنا المعد لنا طازجا بكل تفاصيله فيها. نقرأه لنكتشف أنه قد صرخ معنا في الشوارع، وأنه قد اعتقل وعذب معنا حتى الموت، وقُصفت حياته كاملة مثلنا، ونزح ومات ألف مرة على الطريق، ومات بالموت الجماعي المالح، ومات برصاص بيادق نظام فاشي قاتل. ولكن الأجمل والأكثر وجعا، أنه مثلنا، برغم خمس سنوات كاملة محملة بكل هذا الموت فيها، يصرخ لا تصالح.

أمل دنقل هو محمد أمل فهيم أبو القسام محارب دنقل، وهو شاعر مصري قومي عربي، ولد في أسرة صعيدية في عام1940  في قرية القلعة، مركز فقط في محافظة قنا في صعيد مصر، لأب عالم من علماء الأزهر الشريف، أثر كثيرا بكل ما فيه في شخصية دنقل وفي قصائده، وهو المبدع الذي خسرناه جسدا في الحادي والعشرين من شهر أيار عام 1983م.

سماه والده باسم “أمل”، الاسم الأنثوي الذي يحرك الحياة فينا، لأنه ابنه البكر، ولأنه ولد في نفس السنة التي حصل فيها الأب على إجازة العالمية، مستبشرا به وبنجاحه، وقد نجح فعلا.

ورث دنقل عن والده كتابة الشعر، إذ كان الأب يكتب الشعر العمودي، كما ورث عنه بالإضافة لعزة نفس الإنسان الصعيدي، مكتبة ضخمة تضم كتب الفقه والعديد من أهم كتب التراث العربي. وقد التهم دنقل بحسه الإبداعي كل هذه الغنائم، لتؤثر كثيراً فيه ولتساهم في تكوين اللبنة الأولى لهذا الشاعر الذي لا يموت.

فقد دنقل والده وهو في العاشرة من عمره، ليشكل هذا الفقد هاوية عميقة في روحه، هاوية بقيت تطبع شخصيته بملامح حزنها، وبقيت تطل بجراحها ونزفها من كل القصائد.

رحل أمل إلى القاهرة حاملا معه أحلامه الكبيرة وروحه الحساسة. وهناك التحق بكلية الآداب. لكن الفقر قطع أحلامه مبكرا، وأجبره على الانقطاع عن الدراسة منذ العام الأول بهدف العمل.

عمل أمل موظفاً بمحكمة قنا وجمارك السويس والإسكندرية، ثم بعد ذلك موظفاً في منظمة التضامن الأفروآسيوي، ولكنه كان دائماً يترك العمل الذي تضيق به روحه ويهرب إلى الشعر.  خاصة وأنه الصعيدي الذي صدمته المدينة الجافة؛ القاهرة الكبيرة الفارغة من الدفء والحقيقية، والتي لم يجد فيها دنقل غير الضجيج والوحشة التي بقيت تطل برأسها من كل قصائده.

كان أمل دنقل منذ وًلد مختلفا بعمق إحساسه وبجرأة كلمته، فقد كان دائما يرفض الرضوخ لقانون القطيع، وكان أيضا مخالفاً لمعظم المدارس الشعرية في الخمسينيات، فقد استوحى قصائده من رموز التراث العربي الذي تركه له والده، بالرغم من أن السائد في ذاك الوقت كان التأثر بالميثولوجيا الغربية عامة واليونانية خاصة. لكنه ككل ما ترك، كان يتبع قلبه وعقله ولا تهمه كل الأشكال والمدارس.

عاش أمل عصر أحلام العروبة والثورة المصرية، وشكلت هذه الأحلام كل مساحاته، لذا كان انكسار مصر والعرب في عام1967  هزيمة لأعماقه، ككل عربي، وشكلت رصاصة أصابت قلبه الذي بدأ يضخ جرحه في رائعته “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة”.

شاهد بعينيه النصر وضياعه، وصرخ مع كل من صرخ ضد معاهدة السلام، بقصيدته الصرخة “لا تصالح”، وقد أصبحت صرخته هذه تقال في المظاهرات على ألسن الآلاف.

كانت صرخته تلك سبباً في اصطدامه في الكثير من المرات مع السلطات المصرية، لكنه كان دائما صوت الإنسان العربي الذي كوته نكسة 1967، والذي قتلته الأنظمة القمعية، وقهره الفقر والتهميش. لذلك، فقد أكد دنقل دائما، وفي كل ما كتب، ارتباطه العميق بوعي القارئ العربي ووجدانه.

كل هذا القهر الذي مر به دنقل، ساعد السرطان على مهاجمته، لكنه حاربه بالشعر لمدة تقرب من ثلاث سنوات، كتب خلالها مجموعته “أوراق الغرفة 8″، وهو رقم غرفته في المعهد القومي للأورام، وقد عبر في قصيدته “السرير” عن كل القهر الذي بدأ يسكنه، وعن اليأس والذل الذي يسير في الشوارع بجانب الرجال ويجعلهم يحنون دائما ظهورهم وأرواحهم. لكن السرطان لم يهزمه، لأنه أصر على كتابة الشعر حتى أخر لحظة من حياته، وقد قال عنه أحمد عبد المعطي حجازي: “إنه صراع بين متكافئين، الموت والشعر”.

رحل أمل دنقل عن دنيانا في21  أيار عام 1983م، بعد أن قضى آخر لحظاته برفقة د.جابر عصفور و صديق عمره عبد الرحمن الأبنودي، مستمعاً إلى إحدى الأغاني الصعيدية القديمة.

يعيش أمل دنقل الآن في ست مجموعات شعرية ستبقى في قلوب القادمين، فمن “البكاء بين يدي زرقاء اليمامة” إلى “أوراق الغرفة 8″، تمتد روحه الثائرة موزعة عبر “تعليق على ما حدث” و”مقتل القمر”، و”العهد الآتي” ثم “أقوال جديدة عن حرب السويس”، لتخاطبنا كيفما اتجهنا.

نقرأك في يوم رحيلك يا أمل، وأنت تكتبنا كأن عرافة قرأتنا لك يوما على خطوط كفك، وقالت لك اكتب ما سأمليه عليك: خطوط عمر السوريين ستكون قصيرة جدا ومتقاطعة، وخط الموت في أكفهم سيصل إلى كل الأصابع. سيدفع السوريون وحدهم كفارة عرب باعوا وصالحوا، سيكونون كالفلسطينيين وحيدين، وسيصنع العالم من موتهم فزاعته الجديدة، سيرحلون عن مدنهم وماضيهم وسيتركون أجمل مدائن العالم يا أمل، فابكِ عليهم من الآن شعرا جميلا.

كم نحتاجك الآن أيها الحامل لاسمه “أمل”؛ كم نحتاجك يا من كتب “لا تصالح” قبل ثلاثة وثلاثين عاما، لتحكي حالنا نحن السوريين الآن، تحكيه بكل التفاصيل الغريبة في ثنايا قصيدتك، التفاصيل التي نعيشها الآن بثا حيا ومباشرا.

قسما بجرحك يا دنقل، قسما بحياتك فينا وحياتك التي تنبأت فينا، قسما بدم كل سوري قتله هذا الطاغية، وقسما بروح كل شهيد للحرية…. لا لن نصالح.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *