ثائر الزعزوع - صدى الشام/
لو طلبنا من تلميذ أن يعرب الجملة التالية إعراب مفردات “إنهم يقتلون سوريا” فسوف يقف عاجزاً أمام إعراب الضمير “هم”، لأنه سيكون حائراً في تحديد من هم أولئك الأشخاص الذين يقومون بفعل القتل. وقد تعلمنا أنه كي نتمكن من إعراب كلمة أو جملة ما إعراباً سليماً فعلينا أن نفهم معناها أولاً، وإذا كان التلميذ ومن سوء حظنا، مجداً مجتهداً فسوف يسألنا على الفور، من “هم” وساعتها قد تستغرق إجابتنا ساعات، وسوف ندخل في تفاصيل التفاصيل، فلن يكفي أن نقول له إن قوات النظام تقتل سوريا، لأننا ساعتها سنكون قدمنا معلومة خاطئة، وهذا يتنافى مع الحقيقة والتي نحرص على إيصالها لأولادنا، وإن قلنا له إن قوات النظام ومعها حلفاؤها من عصابة حزب الله، ومعهم مرتزقة إيرانيون، وكذلك طائرات وقوات روسية، فسنكون كاذبين لأننا يجب أن نذكر تنظيم داعش، وأيضاً جيش سوريا الديمقراطية ووحدات الحماية الشعبية، وأيضاً عشرات الكتائب المتأسلمة التي لا تقل قتلاً وتدميراً عمن سبقها، والتي تعددت أسماؤها حتى بات إحصاؤها أمراً عسيراً، وربما يلزمنا جداول وقوائم لا تنتهي لتصنيفها ومعرفة ترتيب كل فصيل وتبعيته، وأهدافه، ومموليه. ولن يكون كافياً أن نذكر جبهة النصرة التي لا تختلف في تصرفاتها وأفعالها وعدائها لكل ما هو سوري، عن تنظيم داعش، ولا يختلف حجم ضررها بما فعلته ميلشيا حزب الله، أو سواها من ميلشيات المرتزقة. قد يقف التلميذ حائراً وهو يصغي لكلامنا، بل قد يظن أننا نبالغ، ولكن قد نطلعه على تطورات الأوضاع في غوطة دمشق مثلاً، والتي تشهد ومنذ أسابيع اقتتالاً على الغنائم، وسوف يسألنا بشيء من الاستغراب ربما، ولكن ألم يكن هؤلاء حتى وقت قريب يقولون إنهم يقفون مع الشعب السوري؟ ولا مانع إن قلنا له إن أمريكا ومنذ خمس سنوات تقول إنها تقف مع الشعب السوري، بينما كل ما فعلته حتى يومنا هذا يتعارض مع ما تقوله، ولا تختلف تلك الفصائل في شيء عن باقي قتلة الشعب السوري، لأنها تتقاتل فيما بينها على مناطق نفوذ وعلى غنائم، وهي تعتقل من يخالفها الرأي، وتكفر كل من “تسول له نفسه” انتقاد أحد قادتها. وقد ذكر أحد الخارجين من معتقل في ريف دمشق يتبع لإحدى تلك التنظيمات، أنه لم يتصور أن ثمة وحوشاً بشرية في مكان آخر غير أقبية الإجرام التي تديرها عصابة الأسد، لكن ما شهده داخل معتقل الفصيل الذي لم يذكر اسمه، خوفاً على أهله الذين يخضعون لسلطة الفصيل المذكور، جعله يؤمن أن معركتنا طويلة جداً، وأن استبداد وطغيان وإجرام عصابة الأسد لها ما يماثلها في الطرف الآخر، بل وربما ينسق معها، إذ لا يمكن تفسير طرد الجيش الحر وملاحقة أفراده ومن ثم الاستيلاء على ثورة السوريين، سوى على أنه يتم بالتنسيق بين القتلة، هم الذين احتار التلميذ في إعرابهم، بل والذين احتار السوريون جميعاً في تفسير ما يفعلونه. فإذا كان بشار الأسد يسير بموجب أجندة إيرانية باتت واضحة للجميع، فبموجب أية أجندة يسير هؤلاء؟ ومن الذي يحركهم كي يستمروا في قتلنا واستباحة دمائنا، وتدمير ما تبقى من سوريا؟
هل كل تنظيم من هؤلاء يريد حقاً بناء دولة خاصة به؟ هل يريدون حقاً فرض سياسة أمر واقع ويرفعوا راياتهم فوق مناطق نفوذهم ويستمتعوا لاحقاً بإقامة علاقات دبلوماسية مع نظام دمشق، وربما يقومون بتعيين سفراء لهم، ويعقدون اتفاقيات تجارية كما يفعل النظام وتنظيم داعش؟
كل شيء وارد، فمن عمل منذ أن ظهر في المشهد أول مرة، على تمزيق علم الثورة، لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يكون مناصراً للثورة، مهما كذب وادّعى. بل إن مئات الآلاف من المهجرين والنازحين، والذين كانوا يعيشون في مناطق خارجة عن سيطرة النظام، أجبروا على الرحيل بسبب الفصائل، ومكاتبها الشرعية، ومعتقلاتها، وقوانينها وجلاديها.
حين بدأت الثورة لم يكن هناك هم، كان هو فقط، وكان من السهل إعراب أي كلمة تتضمن فعل القتل، لأننا حين كنا نقول: إنه يقتل سوريا، فكنا نقصده هو، وها قد وصلنا إلى زمن “هم” وما أكثرهم.
يا صغيري لا تعرب الجملة التالية، دعها، لأن الطريق ما زال طويلاً، ولكن تذكر بأن والدك الذي استشهد قتلوه كلهم.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث