غالية شاهين/
في محاولة للحفاظ على أخلاقنا، الصفة الوحيدة القادرة على إنقاذنا من شرنقة العنكبوت التي يعمل النظام جاهدا، منذ اليوم الأول لثورتنا، على إدخالنا فيها، تلك الصفة التي أبقتنا على قيد الأمل حتى اليوم بأننا سننتصر عليه ولو بعد حين، في محاولة للحفاظ عليها، وجب علينا أن نصرخ بأعلى ما نملك من صوت أن ما حدث في الزارة لا يمثلنا، بل إنه يؤذينا ويجرح إنسانيتنا أكثر مما تفعله أعمال النظام السوري المشابهة بالشكل، والمتفوقة بالعدد والاستمرار بشكل لا يقبل المقارنة مطلقا. يجرحنا لأننا كنا نعتبر من قاموا به شركاء لنا في هذه المعركة الطويلة الصعبة. أما وقد فعلوا ما فعلوه، فهم حتما أسقطوا عن أنفسهم شرف لقب الثوار، وانضموا بدون أي نقاش، إلى الجهة الأخرى.
لقد كانت حادثة الزارةمحكأ أو اختبارا لكل من يدعي أنه يحمل أخلاق الثورة، تلك الثورة التي خرجت من رحم الظلم لترفضه علنا، حالمة بوطن يحفظ إنسانية أبنائه وكرامتهم، أحياء كانوا أو أموات، ومعلنة بشكل لا يقبل للنقاش، أنها لن تكون يوما مع ظالم ومنتهك لحقوق وحرمات السوريين، كل السوريين، وأنها لن تقبل أن تستبدل ديكتاتور عديم الإنسانية والضمير بآخر يشبهه.
لكن وللأسف، استطاع النظام بجرائمه غير المسبوقة، وبعنفه اللا متناهي، أن يحرف الكثيرين ممن كانوا ثوارا حقيقيين، وأن يجرهم إلى مستنقع ردات الفعل غير القادرة إلا على إهلاك أصحابها وضياعهم. وربما استطاع، للأسف أيضا، أن يشوّه أرواح الكثيرينوأخلاقهم، لتختلط عليهم الأمور، فلا يدركون أنهم بدأوا يحققون فعلا ما يريد.
الخطير في الأمر أن ما حدث في الزارة قدم للنظام مبررا مثبتا لينسب للمعارضة كل جرائمه. فراح إعلام الأسد، وهو الأنذل من أن يوصف، يرفق الصورة الوحيدة الحقيقية المنشورة عن الزارة بصور ضحايا مجازره هو، ليعيد استغلال مجازره وضحاياه، بطريقة لا يمكن لعقل آدمي استيعاب دناءتها.
والأخطر أيضا، أن حادثة الزارة هي الحادثة الأولى منذ انطلاق الثورة التي يمكن توصيفها بمجزرة بحق العلويين. وليس هذا أمرا بسيطا، فقد أصبح، ولأول مرة، بيد النظام إثبات حقيقي على أن ثمة مجازر ترتكب في سوريا بحق المدنيين من العلويين. وهو ما لم يحصل مطلقا من قبل.
بالرغم من كل ما نحمله في أرواحنا من جروح تصل حد الشرخ، لكن مهمتنا الأولى كي تستمر الثورة هي أن نحافظ على أخلاقها؛ تلك الأخلاق التي تقول أن صورة التمثيل بالجثث في الزارة لا تقل بشاعة وانحطاطا إنسانيا عن صور السيلفي التي التقطتها شبيحة الأسد، كنانة علوش، أو تلك الصور التي نشرها مقاتلو البي يي دي عندما احتفلوا بجثث مقاتلين من الجيش الحر في مدينة عفرين، كما أنها لا تختلف عن الصور والفيديوهات التي كان النظام يسربها والتي تمثل تعامل جنوده مع المعتقلين أو جثث ضحاياهم.
ما حدث فيالزارةغير مقبول مطلقا، لا أخلاقيا ولا دينيا ولا إنسانيا. ولا أبالغ إن قلت أن كل من هلل لها واعتبرها ردا منطقيا على ما يفعله النظام، أو من اعتبرها، واهما، انتصارا لأحد، كل هؤلاء سقطوا تماما في عرف الثورة السورية وأخلاقها، سقطوا إلى القاع الذي جهزه لهم الأسد بعناية، بعد أن كانوا موجودين، بالخطأ، في صفوف الثورة.
وكل من لم يدن التصرف اللاإنساني واللا أخلاقي لمن قام بقتل المدنيين والتقاط صور انتصاره على أجسادهم، هو خارج حسابات ثورتنا، سواء كان مدينا أو فردا عسكريا، أو تشكيلا عسكريا يدعي انتماءه لثورتنا.
لن نقابل الخطأ بالخطأ، ولن نقبل بأن نصبح وجها آخر لنظام ساقط أخلاقيا، وسيسقط على كل الأصعدة، ولو بعد حين.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث