الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / الليرة في “موازنة المواجهة والتحدي والحرب”

الليرة في “موازنة المواجهة والتحدي والحرب”

سقراط العلو/

أضحى المواطن السوري، وبخاصة في مناطق سيطرة النظام، مجرد “كيس دم” من زمرة O”” يعمل على إنعاش النظام بكل زمره الطفيلية، ولا يأخذ إلا من نفسه، فالنظام يعتبره الحلقة الأضعف التي يُحمّلها كل أزماته، وبالتحديد الاقتصادية منها.

فغياب الشفافية والسياسات الارتجالية غير محسوبة العواقب، وحملات التضليل الممنهج للمواطن، بالإضافة طبعاً للسبب الرئيسي “للأزمة”، وهو حرب الأسد على المجتمع تمسكاً بالسلطة، كل ذلك هو المسؤول الوحيد عن الكارثة المعيشية التي يعانيها المواطن السوري اليوم جراء خسارة الليرة لـ13 ضعفاً من قيمتها، مقارنة بسعر الصرف 2011، ووصول الدولار لـ625 ليرة، وليس المسؤول، كما يدّعي رئيس حكومة الأسد وحاكم مصرفه المركزي، هو “المؤامرة على الليرة ” تارةً و”تجار الأزمة ” تارةً أخرى.

فالاقتصاد السوري يمر في أزمة تضخمية جامحة، تجاوزت كل التوقعات والحدود منذ ثلاثة أعوام وحتى الآن، إضافة إلى تآكل كبير في سعر صرف الليرة. وبالرغم من ذلك، تقدمت حكومة الحلقي إلى مجلس الشعب بموازنة عامة للدولة لعام 2016، قاربت اعتمادات نفقاتها 2000 مليار ليرة سورية، في حين أن وارداتها أقل من ذلك بكثير. أي أنها موازنة تضخمية بامتياز، ضاربةً عرض الحائط بكل اقتراحات الاقتصاديين السوريين حول التحول للعمل بنظام الموازنة “الاثنا عشرية” أي السير بموجب موازنة الـ2015، رغم أن ذلك كان سيحد من زيادة النفقات، وتالياً سيحد من زيادة العجز وكتلة الدين الداخلي.

يمر الاقتصاد السوري في أزمة تضخمية جامحة، تجاوزت كل التوقعات والحدود منذ ثلاثة أعوام وحتى الآن، إضافة إلى تآكل كبير في سعر صرف الليرة. كما تُعد موازنة العام 2016 موازنة كارثية مقارنة بالأعوام السابقة.

ولا تتوقف المشكلة عند الفجوة الهائلة المتشكلة بين الإيرادات والنفقات في الموازنة العامة فقط، بل في طريقة إدارة الحكومة لملف الإيرادات وتقليص تلك الفجوة. فبدلاً من البحث عن واردات إضافية عبر القروض والضرائب على أصحاب القدرات التكليفية العالية، والمؤسسات المالية والمصرفية، و”تجار الأزمة” الذين يحققون الآن أرباحاً فلكية، لجأت الحكومة إلى اعتماد الحلول السهلة، وذلك عبر الاقتراض من المصرف المركزي، أي التمويل بالعجز، أو زيادة الأسعار. وكلا هذين الأسلوبين في تمويل عجز الموازنة من طبيعة تضخمية، ولهما إسقاطات اقتصادية ومالية واجتماعية خطيرة جداَ، حيث لم تجد الحكومة الحالية أفضل من هذين الأسلوبين منذ ثلاث سنوات، إضافة إلى الضرائب والرسوم غير المباشرة التي تزيد من انعدام العدالة الاجتماعية، والاعتماد على المساعدات والقروض الخارجية، لتغطية العجز الحاصل بين إيرادات الخزينة العامة المتراجعة كثيراً، وبين النفقات المتزايدة بنحو هائل.

وفي إطار بدعة “الاقتصاد المقاوم” إيرانية المنشأ، اعتبر رئيس حكومة الأسد موازنته الكارثية لعام 2016 على أنها “موازنة المواجهة والتحدي والحرب”، ووصفها إعلام النظام الرسمي بأنها “الأضخم” على الإطلاق في تاريخ البلاد، وذلك إمعاناً منها في مشروع “حيونة الإنسان” الذي تمارسه منذ بداية الثورة السورية.

فإن كان الفارق بين رقم موازنة 2015 ونظيرتها في 2016 يوحي بزيادة نظرية تبلغ 27.4 في المئة، فتلك الزيادة تتأتى فقط في حال احتساب قيمة الموازنة بالليرة السورية. ذلك أن قيمة موازنة العام 2016 تصل وفق بيان الحكومة، إلى 1980 مليار ليرة، بينما بلغت قيمة موازنة العام 2015 نحو 1554 مليار ليرة. ورقم موازنة العام 2016 بُني على أساس أن سعر صرف الدولار هو 257 ليرة، وبالتالي تصبح قيمة موازنة الـ 2016، 7.7 مليار دولار، فيما تكون قيمة موازنة العام الفائت 8.1 مليار دولار، باعتماد سعر صرف الدولار الرسمي، والذي كان بحدود 190 ليرة خلال إعدادها، ونحو 150 ليرة عند إعداد موازنة العام 2014، لتكون قيمة موازنة ذاك العام نحو 9.2 مليارات دولار. فإعادة قراءة أرقام الموازنات بالدولار تكفل الجزم بحدوث انخفاضات حقيقية لموازنات الدولة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فموازنة العام 2015 انخفضت بنسبة 12 في المئة عن موازنة العام 2014، وموازنة العام 2016 أخفض بنسبة 5 في المئة عن موازنة العام الذي سبقه، وأخفض بنسبة 16.3 في المئة عن موازنة العام 2014.

وبهذا تكون موازنة العام 2016، هي الأقل قيمةً منذُ عقد من الزمن. وهذا ينجلي أيضاً حال مقارنتها مع موازنات سابقة محسوبة بالدولار لا بالليرة السورية، كموازنة العام 2011 التي بلغت قيمتها 750 مليار ليرة وهذا يعادل 15 مليار دولار بحسب سعر الصرف المعتمد حينها، والبالغ نحو 50 ليرة للدولار الواحد، ما يعني أن الموازنة انخفضت بنسبة 48.6 في المئة عن موازنة العام 2011.

إضافة لذلك تُعد موازنة العام 2016 موازنة انكماشية بامتياز، حيث نسبة الإنفاق الجاري فيها تصل إلى 74.2 في المئة من إجمالي قيمة موازنة الدولة. الحكومة خصت الإنفاق الاستثماري فقط بنحو 510 مليارات ليرة، منها 50 مليار ليرة لإعادة الإعمار، وتمركز الإنفاق الجاري فيها حول كتلتي الرواتب والدعم الاجتماعي، وهذا ما جرت عليه موازنات الأعوام الثلاثة الماضية، إذ تشكّل كتلة الرواتب نحو ربع الإنفاق الجاري، فيما تم تخصيص الدعم الاجتماعي بنسبة 66 في المئة من إجمالي الإنفاق الجاري، فهي تخصص 73.5 في المئة من قيمتها للإنفاق الجاري. بينما قاربت حصة الدعم الاجتماعي من النفقات الجارية 86 في المئة، أيّ أنّ موازنة العام 2016 خفّضت الدعم الاجتماعي بنسبة 20 في المئة عمّا هو عليه في موازنة العام السابق.

وتُؤكد تقديرات باحثين مستقلين أن عجز الموازنة العامة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بلغ في عام 2014 نحو 40.5%. وقد ألقى هذا العجز عبئاً إضافياً على الدين العام، الذي استمر في الارتفاع إلى مستويات قياسية، فقد ازدادت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي الجاري ازدياداً هائلاً، من 104% في 2013، إلى 147% بنهاية عام 2015.

ومع أن تقديرات الحكومة للعجز في الموازنة السنوية للدولة يجري تجاوزها بكثير خلال السنة المالية، إلا أنه يمكن احتساب تقديرات الحكومة حول العجز المتوقع في مشروع كل موازنة قدمتها خلال سنوات الأزمة، ليتبين أن الإجمالي، الذي هو مقارنة بالواقع أقل بكثير، يمثل رقماً يستدعي الوقوف عنده. فمثلاً العجز المتوقع من قبل الحكومة في موازنات الأعوام 2013، 2014، و2015 يصل لأكثر من 1812 مليار ليرة.

لم يجد النظام بُدّاً من ترك الليرة تواجه مصيرها وحدها، حيث انخفاض قيمتها يحقق تقليصاً لعجز موازنته، ويجعله قادراً على دفع رواتب موظفيه وجيشه وما جنده من مليشيات، لتبقى مؤسساته قائمة ولو شكلياً

فإذا ربطنا تلك البيانات بأمرين، الأول تقرير البنك الدول الذي صدر في 20 نيسان الماضي حول تآكل احتياطي مصرف سورية المركزي من القطع الأجنبي، حيث انخفض هذا الاحتياطي من 18 مليار دولار إلى نحو 700 ألف دولار، والثاني هو الانخفاض الحاد في أسعار النفط العالمي الذي أرهق الداعمَيْن الرئيسين للنظام روسيا وإيران، وأعجزهما عن دعمه بما يحتاجه من الدولار لدعم ليرته، وبخاصة روسيا التي تجاهد للدفاع عن الروبل الموشك على الانهيار، فهذا الربط  يكمل الصورة الحقيقة؛ وهي أن النظام لم يجد بُدّاً من ترك الليرة تواجه مصيرها وحدها، حيث انخفاض قيمتها يحقق تقليصاً لعجز موازنته، ويجعله قادراً على دفع رواتب موظفيه وجيشه وما جنده من مليشيات، لتبقى مؤسساته قائمة ولو شكلياً. فموازنته لـ2016 بلغت قيمتها 7.7 مليار دولار عند سعر 257 ليرة للدولار، أما اليوم وعند سعر 600 ليرة للدولار الواحد تصبح قيمة موازنته 3.15 مليار دولار، أي أنه وفر 4 مليار دولار من قيمة الموازنة، وهي تعادل أكثر من تريليوني ليرة سورية عند سعر الـ600 ليرة للدولار، والمواطن هو من يتحمل تضخم الانفجار الحادث في أسعار المواد.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *