الرئيسية / تحقيقات / بين النظام والمعارضة.. آثار سوريا في مهب النهب والتدمير

بين النظام والمعارضة.. آثار سوريا في مهب النهب والتدمير

علي اﻹبراهيم
يبدو أن الحرب السورية لا تقتصر ويلاتها على الجيل الحالي واللاحق، بل وصلت إلى حضارات غابرة تعود لآلاف السنين.
في تلال الزاوية بريف إدلب توجد أطلال بلدة كانت في يوم من الأيام من أهم المدن السياحية في سوريا، سكنها الرومان في قديما، ثم أعيد تأهيلها من جديد.
(البارة وسيرجيلا وشينشراح) وغيرها، تلك المدن اﻷثرية “المنسية” الواقعة إلى الجنوب الغربي من مدينة إدلب، رغم أنها شهدت في العهود الرومانية والبيزنطية حروباً وزلازل، لكنها بقيت راسخة وحجارتها صامدة عبر الزمان، إلا أنها اليوم تشهد حرباً جديدة.
هذه المدن اﻷثرية هي مجموعة من خمسة تجمعات لمواقع أثرية تضم نحو 40 قرية من العصرين الروماني والبيزنطي، حيث بنيت بين القرنين اﻷول والسابع الميلاديين، وهي مسجّلة ضمن لائحة “اليونيسكو” للتراث العالمي”، منذ 29-6-2011، حيث تبنت المنظمة مشروع قرار يقضي بإدراج وتسمية القرى اﻷثرية في شمال سوريا (البارة وسيرجيلا) والتجمعات التابعة لها، ممعلم ثقافي على لائحة التراث العالمي، لتعود المنظمة في مارس/آذار الماضي وتدرجها تقرير نشرته، كمواقع مهددة بالخطر والزوال.
في هذه المواقع اﻷثرية خمس كنائس، وعدد من القصور ونحو مئة منزل أثري، وقد باتت اليوم مأوى لعشرات العائلات النازحة من ويلات الحرب الدائرة في سوريا بين قوات المعارضة المسلحة وقوات النظام.
باتت اليوم هذه الأبنية عرضةً للتخريب بعد استهداف قوات النظام للساكنين فيها ببراميل متفجرة، كذلك قيام القاطنين فيها بتكسير الحجارة وتحويلها لبناء أكواخ صغيرة بجانب القصور اﻷثرية أو البيع.
“صدى الشام” زارت المنطقة، والتقت عائلة تسكن بجانب إحدى الكنائس، التي دمر قسم كبير منها، خوفاً من سقوطها على العائلة.
أحمد عزيز أب لخمسة أطفال، يحدثنا عن سبب هذا التخريب فيقول: “الحجر ليس أهم من أرواح عائلتي، هدمت منازلنا ليس لدينا خيار آخر سوى اللجوء إلى هذه اﻷماكن، فهي تعطينا اﻷمان، وهي بديلة عن منازلنا التي سقطت على اﻷرض بقذيفة أو برميل من قوات النظام”. ويتابع عزيز: “لسنا وحدنا من نقوم بتكسير هذه الحجارة، فمنذ أيام قصفت قوات النظام هذه اﻷبنية، ودمّرت العديد منها، إضافة لسقوط قتلى بينهم أطفال”. ويرجح ناشطون أن سبب القصف هو بناء مخيم للنازحين قريب من هذه اﻷماكن اﻷثرية.
التكسير، ليس وحده الذي يطول هذه اﻷبنية اﻷثرية بل عمليات البحث والتنقيب عن قطع أثرية، تقوم بها مجموعات من الشباب بغية بيعها في تركيا، بحسب شهود عيان.
رئيس المجلس المحلي لبلدة (البارة وسيرجيلا وشينشراح) التي تتبع لها إدارياً هذه المناطق الأثرية، ممدوح نصوح، يقول لـ “صدى الشام”: نتواصل مع الحكومة المؤقتة في الائتلاف السوري ﻹيصال الصورة واتخاذ التدابير اللازمة، كذلك منذ تشكيل المجالس المحلية نحاول التواصل مع منظمات عالمية مختصة ومنها “اليونيسكو” بهدف تشكيل لجان خاصة لحماية هذه المواقع اﻷثرية وتقديم تقارير عن استهدافها وعمليات التخريب ولكن دون جدوى”. ويضيف”: ليس لدينا اﻹمكانيات لتشكيل مجموعات أمنية تحمي هذه المواقع من السرقة والتخريب، لكن نقوم بحملات توعية وتوزيع بروشورات توضح أهمية هذه المواقع ودورها السياحي وأهميتها الحضارية”.
تقول مصادر هلية: إن “معظم اﻷهالي في هذه المناطق متعاطفون مع النازحين في هذه المواقع اﻷثرية، وضد عمليات التخريب التي تطالها”.
نايف قدري، أستاذ في كلية الآثار بجامعة حلب سابقا، يقول: “هذه اﻷبنية اﻷثرية ليست للنظام، ولا للمعارضة هي ملك للجميع يجب المحافظة عليها، ومن يريد عدم التخريب والنهب، يجب عليه تقديم الحلول، النظام والمعارضة هما المسؤولان عن هذه الفوضى، النظام بتدميره وقصفه وتشريد الناس، مما يدفعهم للحاجة لبيع القطع اﻷثرية واللجوء لهذه اﻷماكن، والمعارضة بعدم قدرتها على تحرير هذه المناطق للعودة لها وضبط اﻷمور”.
إضافة إلى ذلك هناك مبادرات شبابية لتوعية الناس بأهمية هذه المواقع والحفاظ عليها والتذكير بأهميتها، من خلال حملات توعية ومراقبة لهذه المناطق لمنعهم من التخريب والنهب، لكنها تبقى مبادرات غير فعالة في ظل الفوضى العارمة بالبلاد.
يشار إلى أن لائحة التراث العالمي هي لائحة عالمية لمواقع طبيعية وثقافية أسست بناء على الاتفاقية الدولية لحمامية التراث الثقافي والطبيعي في عام 1972 والتي اعتبرت أن هذه مواقع ذات أهمية استثنائية لتراث البشرية حول العالم، وذلك كجزء من التراث العالمي المشترك.
وتحثُّ الاتفاقية على حماية وصيانة هذا التراث من خلال تعيين هذه المواقع ذات اﻷولوية بالنسبة للبلد في إشارة لتقديم الدعم والحماية اللازمة عند الضرورة.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *