الرئيسية / رأي / لقبعاتكم البيضاء…نرفع القبعات

لقبعاتكم البيضاء…نرفع القبعات

غالية شاهين/

في سوريا فقط.. أصحاب القبعات البيضاء مدانون بمحاولة إنقاذ أرواح السوريين، وعقابهم الموت وتدمير مقراتهم وآلياتهم. ففي سوريا فقط، لم يميز النظام السوري القاتل يوما بين مدرس أو عامل أو طبيب، فكل السوريين مستهدفون، أطفالا ورجالا ونساء. ولم تميز قذائفه وبراميله بين هدف عسكري أو منزل أو مدرسة، بل أن كل ما يحدث يشير بشكل واضح وقطعي إلى أنه يستهدف المنشآت المدنية الصرفة، خاصة المرافق الحيوية والمراكز الصحية والمشافي. فالاستهداف لا ينحصر بالمدنيين، بل يتركز أكثر على كل الجهات التي تحاول إنقاذهم من الموت المقرر لهم.

وكما المشافي، لم تسلم مراكز الدفاع المدني ورجالاته ذوي القبعات البيضاء من الاستهداف المباشر لقوات النظام، بالرغم من ابتعاد هذه المهن عن تباينات آراء السوريين حولها، كونها مهن إنسانية لا تخدم مصلحة جهة معينة دون غيرها، أو شريحة محددة دون أخرى.

ربما لم تكن ثقافة العمل التطوعي، خاصة في مجال الدفاع المدني، منتشرة في سوريا قبل الثورة، لكن الفوضى التي تتركها قذائف قوات النظام وصواريخه وبراميل أوجدت الحاجة الملحة لمن يزيلها، ويخرج الأحياء والأموات من تحتها، وهو ما كان سببا مباشرا لإنشاء فرق الدفاع المدنية في الأحياء السورية المعرضة للقصف والدمار، والتي سرعان ما نظمت صفوفها لتشكل مؤسسة مدنية حقيقية أجمع السوريون بمختلف مشاربهم وأيديولوجياتهم على احترامها وتقدير عملها الذي يوازي ويزيد عن كل عمل ثوري آخر.

بدأت فرق الدفاع المدني الحر بعدد من الشباب المتطوعين المدفوعين بإنسانية عالية، وبشجاعة تفوق شجاعة مقاتل، وبأدوات بسيطة لا تفي بحجم العمل الهائل المطلوب منهم. لتتطور فيما بعد إلى شكل منظم تلقّى بعض الدعم من جهات ثورية أخرى، ومن تبرعات أشخاص سوريين حتى العظم. لكن حجر الأساس في هذه المؤسسة المولودة من رحم الثورة يبقى رجالاتها الشجعان، ونساءها اللواتي تحملن الضغوط الاجتماعية والنفسية ليقمن بدور مكمل لدور رجال الفريق، وفي حالات تتطلب منقذات إناث، وليستطعن إنقاذ أرواح كانت ستغادر لولا وجودهن. وقد بلغ عدد أفراد هذه المؤسسة 2830 متطوعا، موزعين على 119 مركزا في ثمان محافظات، وقد قدم الدفاع المدني خدماته إلى أكثر من ستة ملايين شخص، كما استطاع متطوعوه إنقاذ أكثر من 50 ألف شخص مهدد بالخطر.

يعمل أصحاب القبعات البيضاء في كل المدن السورية المعرضة للقصف، في ظروف قاسية جدا، ولم يمنعهم استمرار القذائف والبراميل، وتمركز القناصة على زوايا الشوارع والحارات من التحرك والتنقل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، رغم خسارة العديد منهم لأرواحهم أثناء العمل، حيث قدم فريق الدفاع المدني خلال عمله أكثر من 110 شهداء، استشهد 27 منهم أثناء القصف الروسي على مناطق المعارضة، وخاصة عند الاستهداف المتعدد لنفس الأمكنة بفارق زمني كافٍ لوصول فرق الدفاع المدني إليها وتجمع عدد كبير من المنقذين. وبالرغم من كل هذا، ما زال أصحاب القبعات البيضاء يقدمون العديد من أعمال البحث والإنقاذ وانتشال الجثث من تحت الأنقاض، إضافة إلى العديد من الأعمال الخدمية كالتحذير والإخلاء وإدارة الملاجئ، وكذلك الإسعافات الأولية ومكافحة الحرائق ودفن الموتى في الحالات الطارئة.

وبالرغم من اعتيادنا على تخطي النظام لكل الخطوط الإنسانية الحمراء، إلا أن الاستهداف المتعمد لطواقم الدفاع المدني، والذي ارتفعت وتيرته خلال الفترة الماضية، يبقينا عاجزين عن تخيّل ما يمكن أن يحدث أيضا. ففي كل تطور للحدث السوري نعتقد مخطئين أننا وصلنا إلى قاع الهاوية، لكن ما يليه من أحداث يجبرنا على توقع ما هو أسوأ مجددا.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *