الرئيسية / رأي / ضباط منشقون أم ناشطون؟

ضباط منشقون أم ناشطون؟

ثائر الزعزوع/

تابعت منذ أسابيع لقاء على قناة الجزيرة مع أحد الضباط الكبار، والذي عرف عن نفسه بأنه من أوائل الضباط المنشقين عن قوات الأسد، وقد انحاز لثورة الشعب، ورفض إصدار الأوامر بإطلاق النار على المدنيين، وهذا موقف مشرف. الضابط الذي كان يتحدث من مدينة غازي عنتاب التركية تحدث بإسهاب عن بدايات الثورة المسلحة، وكيف أن الكتائب العسكرية التي تشكلت افتقرت إلى التمويل المناسب للاستمرار في عملها، ما جعل القادة العسكريين يتسربون واحداً تلو الآخر باتجاه الخارج. أعرف شخصياً ثلاثة أو أربعة ضباط كبار يقيمون حالياً في دول أوروبية، وقد حصلوا على حق اللجوء السياسي، وقد بدأ بعضهم ينشط في التحليل السياسي، والإدلاء بدلوه في ما يخص عملية المفاوضات وسواها، مع أنهم أعلنوا انشقاقهم أصلاً عن قوات النظام للقتال وحماية الثورة والمدنيين. طبعاً لست هنا في وارد محاكمة أحد، لكن ما لم أفهمه هو لماذا أصلاً كانوا ينتظرون التمويل؟ وهل أنهم لم يفكروا في العمل وفق خطط عسكرية لتوفير ما يسمى بالتمويل الذاتي من خلال تحرير بعض المناطق والسيطرة عليها، والاستيلاء على مستودعات السلاح التابعة للنظام والمنتشرة في مختلف المناطق السورية، بل وحتى الاستيلاء على المصارف لأجل عمليات التمويل، بدل الاستجداء اليومي للمانحين والخضوع لشروطهم وإملاءاتهم؟

 

هذا تساؤل، لا أقصد منه بطبيعة الحال التقليل من قيمة العمل الذي قاموا به سواء بانشقاقهم عن قوات النظام وتعريض حياتهم وأسرهم للخطر، أو وجود بعضهم في الجبهات ومشاركتهم في تحرير الكثير من المناطق، لكن أين هم الآن كلهم؟

 

منتصف العام 2013 اقترحت على أحد القادة العسكريين إجراء لقاء صحفي معه للحديث عن الجيش الحر. رفض المقترح وقال لي بالحرف الواحد: أخي أنا لا أبحث عن الأضواء، أنا أريد أن نصل إلى هدفنا، كل أولئك الذين يتسابقون على الكاميرات هم ظواهر صوتية وليسوا مخلصين للثورة… اعتبرت كلامه وقتها قاسياً على رفاق السلاح الذين كانوا يشاطرونه الخيمة نفسها، والخندق نفسه، لكن تحول الثورة فيما بعد إلى سباق محموم من أجل الظهور وإبراز العضلات، جعلني أقتنع بصحة ما قاله ذلك القائد العسكري، الذي علمت منذ أيام بأنه استشهد دون أن يعرف أحد صورته.

 

لا شك أن المعركة الإعلامية هي واحدة من أهم المعارك خلال الثورة، وإدارة تلك المعركة بطريقة صحيحة تكبد العدو خسائر معنوية، وتسبب أيضاً اهتزازاً في ثقة المؤيدين له، وبالمقابل فهي تكسب الثورة وجمهورها دفعاً إضافياً. لكن من يقوم بتلك المعركة هم إعلاميون وليسوا عسكريين، وتنحصر مسؤولية العسكريين فيما هو شائع من العمل الميداني خلال الحروب بإصدار بيانات مقتضبة عن سير معاركهم، لكن تلك البيانات بطبيعة الحال لا تفصح عن خطط ولا عن استراتيجيات، كما حدث مرات ومرات من قبل ضباطنا المنشقين، والذين كانوا لا يخفون فرحتهم بالظهور على القنوات الفضائية ليقولوا ما لا يمكن قوله إلا في اجتماعات مغلقة. وقد حولوا أنفسهم من عسكريين يرسمون خططاً ويضعون استراتيجيات، إلى ضيوف فضائيات يتحدثون بانكسار عن غياب التمويل، وعن الخذلان الذي يتعرضون له من قبل الحلفاء العرب والغربيين على حد سواء.

 

وإذا كنا كإعلاميين نسعى وراء المعلومة، ونجازف بحياتنا أحياناً من أجل الوصول إليها، ونتحفظ على مصادرنا ونتكتم على أسماء بعضهم خشية أن يتعرضوا للأذى، فإن بعض القادة العسكريين في الثورة نسفوا هذه المعادلة نسفاً، فهم من كانوا يبادرون للاتصال بنا لإطلاعنا بعض الأحيان على أسرار ينبغي ألا تذاع، لذلك فقد كان سهلاً على من جاء للانقضاض على الثورة من الخلف، وأقصد بذلك التيارات الجهادية التي لا تنتمي لا من قريب ولا من بعيد إلى ثورة الشعب السوري، أن يزيحوا تلك القيادات جانباً، ويطاردوها، لأن وجوهها كانت معروفة للجميع، وكنت تستطيع بمجرد سؤال طفل صغير لم يتجاوز السابعة من عمره أين مكان العقيد فلان أن يرشدك إلى مكانه، بل وأن يرسم لك إحداثيات الوصول إن كنت غريباً.

 

قبل ثلاث سنوات حدثني أحد الناشطين الإعلاميين عن واحدة من المؤسسات “الإعلامية” الغربية والتي أجرت دورة تدريبية لعدد من الأشخاص في مدينة اسطنبول التركية، وكانت مهمتهم بعد انتهاء الدورة التدريبية وعودتهم إلى الداخل السوري هي القيام بإعداد لوائح عن كتائب الجيش الحر، وأسماء القادة العسكريين فيها ورتبهم، وقد تمكن عدد منهم من تنفيذ ما طلب منه بالتفصيل. بعد أشهر من تلك الدورة ظهر تنظيم داعش ليأكل الأخضر واليابس في سوريا، وقد استشهد عشرات القادة العسكريين والضباط على أيدي التنظيم في الكثير من المناطق لأنهم كانوا معروفين ومشهورين، ولكم أن تربطوا كما شئتم…

 

أعلم أنه كلام مؤلم، لكن الحقيقة مؤلمة دائماً.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

تعليق واحد

  1. العقيد الركن ابو جاسم

    اسعد الله أوقاتك بكل خير استاذ ثائر زعزوع قرات مقالتك بتمهن ودعني اخبرك امرا بانني اتفق معك بما تفضلت به بنسبة 85% واختلف معم بباقي النسبة المئوية واعتقد هذا شئ طيب . لا شك ان الاعلام دوره لا يقل اهمية بحال من الاحوال عن اهمية العمل الميدان لا بل احيانا يتقدم الاعلام على العمل الميداني وهذه ملجوظة جيدة اتمنى تسليط الضوء عليها في كل صفحات الفيس بوك ولكن دعني اسجل الملاحظة التالية ومثلها ساسجلها ايضا للعسكريين حول ما تفضلت به دعني ابدأ من الاعلام الذي استاثر غالبيته على العسكريين للاسف الشديد ولا اتهاون عن قول الحقيقة ان غالبية العسكريين ممن يضهروا على الشاشات كمحلل عسكري او استراتيجي وهو ابعد عن التكتيك فما بالك بالاستراتيجية وساورد لك الملاحظة على ما تفضلت به حول ذلك بالنسبة لموضوع الاعلام : الا ترى معي استاذ ثائر ان الاعلاميين الحقيقيين والدارسين للاعلام كسلاح لا يقل اهمية عن المعركة الا ترى معي انه اصابهم كما اصاب الضباط المنشقين بمعنى منذ بداية الثورة ظهر الكثير من الشباب وربما الكثير منهم جهلة لابعاد كل كلمة يتكلمون بها او يبثونوها عبر وسائل الاعلام المختلفة وبنفس الوقت تم تهميش الاعلاميين الحقيقيين او اكاد اقول همشوا انفسهم كما حال الكثير من الضباط المنشقين وخاصة الاعلام الحربي (وسانشر منشورا لتوضيح ذلك على الفيس بوك مستفيدا من مقالك دون مجاملة بهذا الموضوع بالمختصر) فابح الاعلام الحربي في غلبيته لغير الاختصاصيين مما افقد الاعلام دوره الثوري الحقيقي في الثورة . هذه اولا ناتي الى ثانيا حول الضباط نعم مارس الضباط الدور الاعلامي وساكون جريئا حتى بما ساكتبه في صفحتي مارس غالبيته الاعلام على وسائل الاعلام المسموعة مع عدم خبرتهم فقط للحصول على 150 دولار في كل ظهور ويؤسفني ان اقول تلك الحقيقة مع ملاحظة ( ان مجال عملي العسكري كان اعلاميا وسياسيا ومعنويا واعلم ما يجب ان يكون ) لكن ان يظهر علينا الكثير من الضباط كاعلاميين على شاشات التلفزة فهو نوع من الحمق والغباء وكما تفضلت بقصد او بدون قصد بغباء او بالمباهاة قدم الكثير منهم معلومات قيمة للعدو من حيث لا يدري للاسف الشديد بالنسبة لتهميش الضباط انت تعلم استاذ ثائر ليس هناك ضابط الا ويقول من اوائل المنشقين وربما يكون اخرهم واجزم حسب معلوماتي من انشق عن النظام منذ بداية الثورة لا يتجاوز اصابع اليد العشرة والباقي من العام 2012 وما تلاه بمعنى ليس اقل من عام على الاقل وهذه معلومة متاكد منها لكن ما تاثير ذلك كان كل شئ محضر من قبل من استخدموه اجندة قبل وصول الضباط للميدان وكانت الاموال هي المحرك الاساسي للعناصر والضابط بخبرته غير مقبول لعنصر يريد الحصول على راتب والضابط ليس لديه صندوق علي بابا والاربعين حرامي لذلك كان القرار ينبع ممكن يملك للاسف الشديد واول سؤال للضابط حين يريد ان يكون في الميدان ( شو معك تعطينا ) وليس ما هي خبرتك ؟ فمن ارتهن لهؤلاء اعتاد على ذلك فكان الطمع سيد الموقف ؟ ومن اثر ان يكون حرا بالقرار الميداني لديه خياران : اما ان يغتال ويصفى بطريقة غامضة والامثلة كثيرة او يترك ويغادر مرة اخرى وهذا ما حصل للكثير من الضباط حتى ممن هم بالداخل من اخوتنا الضباط انظر اليهم فليس لديهم اي قرار سواء كان قرار هجوم او دفاع فما بالك بقرار معركة لا اريد ان اطيل ويكفي ان اورد هاتين الملاحظتين بما يخص الاعلام والعسكريين المنشقين تقبل مروري ومداخلتي واشكرك على سعة صدرك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *