العميد الركن أحمد رحال ، محلل عسكري واستراتيجي/
في وقت تتزاحم فيه المبادرات، وتكثر فيه الهدن، التي تتحدث عن خلق أرضية مشتركة وبيئة ملائمة لانطلاق مفاوضات جنيف المتعددة، وفي وقت أيضاً تتعدد فيه الرسائل الباحثة عن حلول سياسية، تبرز للواقع حقيقة تقول: أن كل الرسائل السياسية تتم بأدوات عسكرية وغايتها ترسيخ وقائع وتغيير موازين وفرض إرادات، من أجل فرض حلول عسكرية تخرج من قواميس “الأسد وإيران” التي تخلو مصطلحاتها من أي مفردة تتحدث عن حل سياسي يعيد الاستقرار لسورية، والخيار العسكري يتوافق مع قناعات الثوار أيضاً، لأنهم خبروا هذا النظام الذي لا يؤمن إلا بالحلول العنفية ولغة القتل.
ساحات المعارك وجبهات القتال المتباعدة التي استطاع نظام الأسد أن يكرس فيها تكتيك وسياسة “تقطيع الأوصال”، وجعلها أشبه بجزر متناثرة على الخارطة العسكرية السورية، وبعيدة عن أي ترابط جغرافي يؤسس لمنطقة محررة، قادرة على أن تكون ساحة انطلاق نحو تحرير كامل، ومن الواضح أن ما حصل في “الثورة الليبية” أعطى خبرات لنظام “الأسد” كي لا يجعل من أي محافظة سورية “بنغازي” أخرى توصل “الأسد” لمصير شقيقه في الإجرام “معمر القذافي”.
أمام تلك المفاهيم، أٌعلنت الهدنة التي فرضها الراعيان “كيري ولافروف” دون أن يلتزم بها أحد (تقريباً)، بدليل أن “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” وثقت بما يزيد عن ألفي خرق متعدد الأشكال لمليشيات النظام وحلفائه، وقعت خلال أقل من شهرين على بدء سريان تلك الهدنة، وقد استطاعت إيران خلال نفس الفترة من استغلال الهدنة للزج بقوات عسكرية إضافية في ساحات القتال، تجلت بالزج بخمسة ألوية من الجيش الإيراني ولأول مرة، في ميادين القتال السورية، التي اعتادت سابقاً على قتال “فيلق القدس” و”الحرس الثوري” وميليشيات “حزب الله” والمرتزقة متعددي الجنسيات التي استقدمها “قاسم سليماني” لمناصرة نظام “الأسد”.
فصائل الثورة بمختلف أشكالها وتموضعاتها تدرك خطورة المرحلة الحالية والقادمة، والتي يسعى فيها المجتمع الدولي لتمرير حلول سياسية لا تتوافق بتاتاً مع تطلعات الشعب السوري الحر، ولا تتماشى مع حجم الأثمان الباهظة التي قدمها على مذبح الحرية في صراعه مع هذا النظام، لذلك ورغم انشغاله بجبهات قتال متعددة مع الإرهاب الآخر المتمثل بتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، إلا أنه لم يهمل هدفه الأساسي الهادف إلى إسقاط “نظام الأسد” الراعي الأول لكل الإرهاب الذي يطال سورية، لذلك كانت هناك عمليات إعادة تجميع وتحالفات وتوحد تتماشى مع ضرورات المرحلة القادمة، ومنها إعادة تفعيل غرفة عمليات “جيش الفتح” الذي يملك إرثاً لا يستهان به في الصراع الذي يخوضه مع ميليشيات الأسد وحلفائه.
“جيش الفتح” الذي أبعد عن صفوفه فصيل “جند الأقصى” (الرافض لقتال تنظيم “داعش”)، وأعلن أن جبهاته المبدئية ستكون ساحات “حلب” و”الساحل”، وهو بذلك يكون قد وجه رأس حربته نحو مركز ثقل النظام في جبهات حلب، كمعركة تٌعد لها الميلشيات الإيرانية هناك لتعطيل كل مخططات التهدئة والحلول السياسية، التي يسعى إليها المجتمع الدولي ولا تتوافق مع مشروع طهران.
على الصعيد العربي والإقليمي تعيش المنطقة على بركان متفجر بعد الضغوط الأمريكية المتزايدة على أصدقاء الشعب السوري، وبعد إغلاقها لكل خطوط إمدادات الثوار، في وقت تٌفتح فيه كل مستودعات السلاح والذخائر في “إيران” و”روسيا” و”كوريا” ومصر، لإمداد ميليشيات “الأسد” بكل ما يلزم، وفي وقت تقيم فيه “طهران” جسراً جوياً وعبر مطارات مختلفة، لنقل آلاف المرتزقة إلى المطارات الواقعة تحت سيطرة النظام في (دمشق وحلب وحماه والقامشلي).
عندما يقول وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند أن الهدنة ليست حلاً، بل الحل يكون عبر مبادرة سياسية حقيقية، هذا يعني أن الوزير البريطاني يتحدث بلسان كل أوروبا التي ضاقت ذرعاً بالعبث الأمريكي على حدودها الشرقية والجنوبية، وفي منطقة تتسم بالحساسية، وهذا يعني أن أوروبا لن تقبل أن تبقى ساحة تصفية حسابات لأمريكا في توافقاتها وخلافاتها مع “طهران” و”موسكو”، وأن أوروبا وليس أمريكا، من تدفع أثماناً باهظة من اقتصادها عبر استقبال مئات آلاف اللاجئين السوريين الهاربين من قمع “الأسد” وإجرامه، وهي من تدفع من حساب أمنها القومي والداخلي أيضاً، وخاصة بعد حدوث تفجيرات “بروكسل وباريس”.
كلام هاموند يبدو أنه أقلق “موسكو”، التي وجدت بالقوانين الدولية ذات اللغة “المطاطة” مخرجاً مريحاً لها ولواشنطن، بعد أن اعتادت تلك العواصم على قراءة قرارات “مجلس الأمن” وفقاً لمزاجها السياسي وتحت عنوان “لا غالب ولا مغلوب”، حتى لو كانت على حساب دماء الشعب السوري. وأتى الرد على التصريحات البريطانية من واشنطن عبر وزير خارجيتها جون كيري، الذي قال: هل المطلوب من أمريكا أن تقاتل الروس كرمى لعيون السوريين؟
بالطبع الشعب السوري لم ولن يطلب تدخلاً عسكرياً خارجياً، لكن بنفس الوقت، على واشنطن وقف “الحظر” المفروض على إمدادات فصائل الثورة أسوة بما يٌقدم لـ”الأسد”، وأيضاً وقف الضغوطات التي تمارس على الأخوة والأصدقاء الحقيقيين للثورة. ولكن من الواضح أن التحركات الأوروبية الأخيرة وعبر الاجتماعات التي حصلت وستحصل (اجتماع برلين، اجتماع باريس)، من الممكن أن تؤدي للخروج (مؤقتاً) عن العباءة الأمريكية، وقد تشكل بنية صالحة لتحالف أوروبي_عربي_إقليمي يمكن البناء عليه للوقوف في وجه حلفاء الأسد (روسيا وإيران).
رسالة “بشار الأسد” التي عبر فيها عن شكره للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على جهود طيرانه في سوريا، ووعده بإكمال المعركة في حلب حتى سحق المعارضة، تلك الرسالة وصلت للثوار أولاً وتمت قراءتها بشكل جيد، وتم الرد عليها بامتياز من خلال معارك الجبهة الغربية في حلب، خاصة بعد تحرير “تلة مهنا” و”مزارع الإبري” و”الفاميلي هاوس”. لكن الرد الأقوى جاء من معارك الجبهة الحلبية الجنوبية، حيث تقدمت فصائل الثورة مدعومة بجهود “جبهة النصرة” وحررت بلدات “الخالدية” و”خان طومان” وكل التلال والمواقع المحيطة بهما. وتحرير الثوار لبلدة “خان طومان” له من المدلولات العسكرية ما يكفي للقول أن كل مخططات النظام بالوصول إلى الطريق الدولي (حلب_دمشق) قد فشلت، وأن مساعي ميليشيات “إيران” بجعل تلك البلدة ذات الأهمية العسكرية الاستراتيجية رأس جسر تعبر من خلاله نحو مركز البحوث غرباً لتطويق وحصار حلب أو التمدد نحو الجنوب الغربي للوصول إلى بلدتي “كفريا والفوعا” لفك الحصار عنها، وبدء معركة إعادة السيطرة على محافظة إدلب. تلك الأهداف كانت واضحة ومكشوفة، وهي كانت في صلب إعلان رئيس وزراء الأسد (وائل الحلقي) عن التحضير لمعركة كبرى في حلب بالمشاركة مع إيران وروسيا.
لكن برزت في الأيام الأخيرة صراعات داخل دمشق بين تيارين: الأول يخضع للهيمنة الإيرانية ويتزعمه بشار الأسد، والآخر يميل نحو الأجندة الروسية. ومع هذا الصراع، أدركت موسكو وبما لا يدع مجالاً للشك، أنها برغم كل ما قدمته لـ”الأسد” من جهود سياسية وعسكرية (جوية وأرضية) للحفاظ على كرسي السلطة، أدركت أنها فشلت في إخراجه من الحضن الإيراني، وأدركت أيضاً أن مناورة سحب جزء من القوات الروسية في المرة الأولى وسحب (30) طائرة مقاتلة في المرة الثانية لم تثن بشار الأسد عن ابتعاده عن موسكو والبقاء تحت المظلة الإيرانية التي تتوافق مع طموحاته بالقتال حتى الرمق الأخير، وبعيداً عن أي حلول سياسية يدرك أن رأسه سيكون أول المتدحرجين فيها. لذلك جاء كلام وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف”، بالقول قبل يومين: “بشار الأسد ليس حليفنا”. لكن كان على لافروف القول: قرار الأسد ليس بأيدينا.
إذاً، معركة التموضعات السياسية في دمشق حٌسمت أٌولى فصولها لصالح “الأسد” وتيار “خامنئي”، وبذلك تكون سورية قادمة على فصل جديد يحمل من الدماء ما يمكن أن يغطي على كل الكلام السياسي والمبادرات والهدن التي يمكن أن يحملها المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا وغيره من رجال دبلوماسية الغرب والشرق. وهذا الحسم والاصطفاف الأسدي مع إيران يرسخ لمعركة طويلة الأمد داخل المدن والبلدات السورية، وينذر بمزيد من الضحايا والقتال.
“جيش الفتح”، الخصم الأقوى لكل حلفاء الأسد، أيضاً يريد أن يحسم في حلب، وباكورة أعماله في الجبهة الحلبية الجنوبية تقول أنه قادم وبقوة، والتضييق بحظر السلاح المفروض (أمريكياً) لا يشكل عقبة أمام قدراته وطموحاته، بعد أن أصبح يٌنتج ويٌصنع جل ما يستهلك بعملية تأمين ذاتي استطاع الوصول إليها عبر خبرات محلية سورية، إضافة لما يغنمه من مستودعات النظام.
القرارات الدولية لم تٌحترم ولم تٌطبق، والهٌدن لم تعد حلاً، وكل النوافذ التي يتطلع إليها الشعب السوري تتسم بالسواد الملطخ بالدماء، فهل يستطيع المجتمع الدولي وعبر لحظة صدق، تجاوز تلك المرحلة وإنهاء تلك المأساة التي يعيشها الشعب السوري، عبر ممارسة دوره الحقيقي بالتخلص من نظام ديكتاتوري أدمى قلوب السوريين، كل السوريين؟
الجميع بالانتظار ..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث