الرئيسية / منوعات / منوع / دمشق..عصر الجنون والهذيان

دمشق..عصر الجنون والهذيان

دمشق- ناصر علي
 
من أين أتى كل هؤلاء المجانين إلى دمشق، وهل كانوا يختبؤون في بيوتهم إلى أن أخرجتهم الحرب، أم أن ما جرى أفلت عقول السوريين، فهربوا إلى الشوارع من الخوف وفقدوا عقولهم؟.
عند تقاطع محطة الحجاز يجلس الرجل الصغير، أو كما يسميه أهل المنطقة “القزم”، واضعاً سماعات “الموبايل” على أذنيه، ناسياً ما يدور حوله، وتطلق السيارات “زماميرها” دون أن يلتفت إليها، فقد غاب في موسيقاه المجنونة وسط ابتسامات شاحبة من المارة، وعندما حاول أحدهم سحبه من منتصف الطريق أطلق شتائمه  في وجه الجميع، ولم يترك بلداً أو وطناً إلا ونال منه “الله يلعنك ويلعن بلدك ووطنك” مترادفات يبدو أنها الأساس الذي أجج في رأسه الجنون.
أما في “التكية السليمانية” وسط العاصمة دمشق، ينام مجنون لا أحد يعرف اسمه، ولكن الجميع تعود عليه، خلال فترة الظهيرة وعند بدء الغروب يبدأ بالسير في الشوارع، ويحدث نفسه بصوت مسموع : “ماتت وهي في البيت، القذيفة الخائنة لم تسقط على رأس أبو محمود بل نزلت على بطن رقية فقسمتها نصفين”، ثم يبدأ بالسباب الشاذ، ويبكي بصمت ثم يجلس على طرف الرصيف واضعاً رأسه بين فخذيه.
في حين تجلس “أم ياسين” منذ عامين في حديقة الجلاء في منطقة “المزة” بدمشق،  تتربع هناك من الصباح حتى المساء، تشرب الشاي وتدخن، وعندما يحين الرحيل تحمل كيسها الكبير “بقجتها” وتمضي مستمرة بالحديث إلى نفسها، يقول عنها رواد الحديقة إنها مجنونة ووحيدة، والسبب أن أبناءها تخلوا عنها وسافروا إلى السويد عبر زورق بحري ولا تعرف عنهم شيئاً، وأنها عند سماع الآذان ترفع يديها إلى السماء وتدعو عليهم بالغرق والموت.
شوارع دمشق الحارة تغص بالمشردين الحفاة من كل الأعمار، ولا أحد يسأل م أي أتى هؤلاء، بعضهم يأكل من المطاعم وما يقدمه الزبائن لهم كمتسولين، وآخرون يرمي لهم بعض سكان المنطقة ما يزيد عن حاجته، وآخرون يلوبون جوعاً بانتظار عابر سبيل.
أحد أصحاب محلات شارع الحمراء الشهير بدمشق يقول: “لم يكن هؤلاء بهذا العدد، ولكنهم مع تزايد الصراع ازدادوا بشكل متسارع، وأغلبهم ناجون من الحرب في محيط العاصمة، ولديهم قصص محزنة، أحد هؤلاء رجل مسن هو الناجي الوحيد من عائلته، وهو من أهالي مدينة  “داريا”، يقضي أغلب يومه في البكاء، وتذكر أولاده وأحفاده، يخلع في الليل ملابسه إلا أن يأتي أحد ما في الصباح ويقوم بإلباسه ما تبقى منها”.
“يعيش أغلب هؤلاء في الحدائق وعلى الأرصفة، بعضهم مات من الجوع والبرد في الشتاء الماضي، ووجدوا في الشوارع الفرعية بجانب حاويات القمامة، وربما ماتوا من المرض نتيجة لتناولهم الفضلات”، هذا ما قاله “أبو أيهم” أحد سكان حي الأمين.
ويضيف، ” الصغار من هؤلاء تعرض بعضهم لاستغلال الجنسي، أو تم تشغيلهم في أعمال قاسية، وبعض الفتيات تم اغتصابهن، وكبيرات السن مشردات في شوارع المدينة، التي لم تعد تحتمل كل هذا العدد من المجانين والمشردين، لدرجة لم نعد نميز بينهم”.
وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل كانت لا تعير انتباهاً لهؤلاء أيام كانت البلاد في حالة مستقرة، وأما اليوم فهي غافلة ولا تستطيع أن تفعل شيئاً للمئات من المجانين، والآلاف من المشردين الهائمين في شوارع العاصمة، فعلى ما يبدو أن حالة الحرب السورية أفقدت الناس عقولها، إذ ما تعرض له السوريون على يد نظام مجنون خلال الأعوام الماضية لا يستوعبه عقل بشري.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *