ميسون شقير
يحتفي العالم في الثالث عشر من شهر نيسان كل عام باليوم العالمي للكتاب، اليوم العالمي لروح الحضارة، اليوم العالمي لسيد الإبداع والتطور، اليوم العالمي لمدخلنا إلى العالم، اليوم العالمي لمدخلنا إلى أنفسنا، وهو أيضا اليوم العالمي للراوي الأصدق من بين كل رواة التاريخ.
الثالث عشر من نيسان هو يوم رحيل أهم قامتين أثرتا بالتاريخ الأدبي الحديث، فهو يوم رحيل كل من شكسبير وسرفانتس، في عام 1616م، حيث قررا دون اتفاق أن يذهبا معا ليكملا روايتهما الجديدة في عالم آخر، الرواية التي لم نزل ننتظرها.
وفي هذا العام بالذات يكمل موتهما الذكرى الأربع مائة له، لذا فالعالم يحتفي به بطريقة مميزة، إذا تعيد كل المدارس في إسبانيا تدريس مقاطع طويلة من رواية الدون كيخوت، كما تحتفي مدينة القلعة القريبة من مدريد باحتفال ضخم يتضمن إلقاء قصائد سرفانتس بلغات مختلفة وقصائد كتبت عنه، وقصائد لشعراء جدد يحتفون به وبالكتاب.
ولعل أجمل ما تفعله إسبانيا هو ربط يوم الكتاب بيوم الحب، إذ يقوم كل عاشق بإهداء حبيبتيه كتابا مع وردة، كما تقوم دور النشر بتقديم وردة مع كل كتاب يباع في هذا اليوم. وهكذا نجد في هذا العام أن كتب لوركا وانتونيو ماتشادو وبابلو نيرودا، قد أُعيدت طباعتها بآلاف النسخ الفخمة والجديدة، ولم ينتهِ ذلك اليوم حتى نفذت جميعها من على رفوف المكتبات. وهكذا نجد أيضا، أن فكرة ذكية وجذابة، استطاعت ربط الإبداع بالحب كفعلين يحرران الروح ويجعلانها تحلق لآخر سماء.
وإذا كانت الكتابة مثل القراءة مثل الحب، هي المحرض الأول على التمسك بالحياة، وعلى التحرر والانعتاق، وإذا كان الكتاب هو الصانع الأهم للحياة، وللتاريخ، فماذا يستطيع يوم الكتاب والحب أن يقول للسوريين؟ ماذا سيقول لكل هذا الموت الذي يحيى في كل تفاصيل حياتهم، يحيى وينمو ويكبر ولا يخجل من أم علقت روحها على وردة فوق نعش، ولا من عاشق يموت هناك في الزنازين وصورة عشيقته في جيب قلبه لا تموت، ولا يخجل من كتاب قتل صاحبه فقط لأنه كتب يوما أكثر مما يجب.
الموت السوري، هو القارئ والكاتب الحقيقي لتاريخ هذا العالم كله، لكل حضارته، لكل رواياته، لكل أكاذيبه؛ الموت السوري، الذي يحمل البشرية ويجول بها شوارع حلب في يوم الثالث والعشرين من نيسان في عام ألفين وستة عشر، الموت السوري الساقط مع البراميل المتفجرة من طائرات لا تتقن إلاه. الموت السوري الطازج هو الوحيد الذي يحتفل بما يليق بهذا العالم من مشاهد، هو ما لم يتخيله شكسبير، وما لم يقاتله الدون كيخوت، فالموت السوري الطازج والشهي يضفي على الرواية طعما جديدا لهذا العام، طعما غريبا ومالحا، طعما لألف طفل يحتفلون هناك في قاع البحر، وتحت الركام، وفوق القبور الكبيرة والواسعة. ولهذا الموت السوري الشهي والطازج كتب كثيرة كتبتها قلوب ثقبت برصاص ثقب صدر من تحب. ولهذا الموت السوري المتجدد والحيوي روايات مدهشة لما بعد الحداثة، روايات مميزة فيها تغيير لتقنيات السرد التقليدية، تغيير جريء وهام، فالقصة لا تبدأ من أولها، إذ محا العالم صوت البطل فيها، ولا تبدأ من آخرها، فليس لها آخر تراه؛ الرواية الكاملة في روايات الموت السوري الطازج تبدأ من كل صفحة فيها، ومن كل كلمة، ومن كل خيط دم يسيل بين الجمل، ومن كل زغرودة هللت يوما لموت هذا البطل.
خذني قليلا من روايتي أيها العالم الذي يحتفي بيوم الكتاب، خذني من دمي، من الزمان والمكان والشخصيات، وخذني من لغتي، كي أكمل لك بدمي روايات شكسبير وسرفانتس. يا أيها العالم المنافق والتافه، خذني من عيدك وأعدني ولو لمرة واحدة إلى قلبي، أعدني للصبية التي كنتها، والتي كانت تحتفي بك وبالكتب، وكانت تروي لوليدها الأول الذي قتلت أنت قلبه، حكاية ما قبل النوم.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث