عمّار الأحمد
تسلّط المجلس الوطني على الثورة، ونطق باسمها، ثم
بدأت عمليات السطو عليها، فأُلحق الإعلاميون والناشطون والتنسيقيات الأولى بسياسة
المجلس الوطني، ومن الأحزاب المنضوية فيه، مستغلين حالة الفقر الشديد وضرورة إيصال
الخبر وغياب أي مورد مادي لدى هؤلاء.
لم يكتفِ المجلس بذلك، بل سحب أعداداً كبيرة من
الناشطين إلى الخارج، واُستُهلكوا ضمن مجموعات عمل ومؤتمرات دولية لشرح الثورة
السورية، ولم يكن لها أية نتيجة إيجابية على الثورة. أكبر مشكلات الثورة هي وجود
المجلس الوطني والائتلاف الوطني، حيث وبدلاً من الانتباه إلى تمثيل الثورة الشعبية
وحشد شعوب العالم من أجلها، ذهبوا لمقاتلة النظام على التمثيل السياسي الدولي،
وحاولوا جاهدين أن يمثلوا ليس الثورة، وهي لا تعنيهم إلا كأداة لاغتنام السلطة، بل
لتمثيل سوريا. وهذا لم يتحقق، وبقي العالم يعترف بالنظام في الهيئات الدولية.
والأنكى الدفاع
التافه عن جبهة النصرة، عبر لسان معاذ الخطيب وجورج صبرا، أي عبر المجلس الوطني
بكل أحزابه وفعالياته. وبهذا أداروا الظهر للطلب الأمريكي، بأن يعتبروا النصرة من
تنظيم القاعدة، فرفضوا ذلك، رغم أن النصرة من تنظيم القاعدة ومشروعها لا علاقة له
بالثورة، وهو ما تقوله، وهو محض مشروع إسلامي أصولي. ذلك الفهم للثورة سمح بإدخال
كل أشكال الجهاديات للثورة. طبعاً ليس الطلب الأمريكي هو الهام، بل الهام الموقف
من الجهادية؛ فكيف سيتم شرح الموقف المؤيد للنصرة لشعوب العالم وهي تعلم من هو
القاعدة؟!
كان على المعارضة أن تنشئ علاقة مع شعوب الأرض لشرح
عدالة الثورة السورية. وكان على الناشطين أن يفعلوا ذلك. وكان على المثقفين أن
يحاولوا ذلك. كل ذلك لم يتم. وهذا ما أفقد السوريين أي تعاطف شعبي دولي. وذهبت
جهود بضع عشرات من المثقفين من أجل ذلك سدىً. فتعمقت في الداخل الجهادية وفي
الخارج عدم الاهتمام بما يحصل في سوريا، بل إن النظام أصبح يستقطب تعاطفاً كونه
يواجه تنظيمات جهادية متطرفة. وهو فعلاً يواجهها وهي فعلاً تنظيمات متطرفة من
النصرة إلى داعش إلى سواها، وأحسن التنظيمات الأصولية مشروعها فئوي لا مجتمعي.
مشروعها لا
ينتمي للثورة بل ينتمي لرؤية محدودة، وسعت ولا تزال إلى بناء سلطتها وقضائها
وجيشها؛ ولا تعينها قضية الشعب ولا الثورة بقدر ما تعينها تلك المصالح.
يمضي الوقت في سوريا من شهداء ومعتقلين ومفقودين
ومحاصرين وخوف وجوع وإذلال، وفوق كل ذلك تعاظم الجهادية. فما العمل إذاً؟
أولاً، لا بد من البحث عن مختلف طرق المساعدة
للسوريين في الداخل وفي المخيمات تحديداً، واعتبار الذين في الخارج امتداد للثورة
وليسوا كماً بشرياً مسجوناً في مخيماته وعالةً على الثوار؛ وأن يتم تسجيلهم في
مؤسسات الأمم المتحدة كلاجئين والتخلص من قضية أنهم ضيوف وسيعودون بعد وقت قصير.
ثانياً، نزع صفة التمثيل السياسي عن الائتلاف الوطني
للثورة، وخلق مجموعات سياسة متخصصة بشؤون الثورة، ويتبعون في رؤيتهم وعلاقاتهم وتصريحاتهم
للقوى الثورية والسياسية في الداخل، واعتبار الداخل هو مرجعيتهم وليس العكس.
ثالثاً، رفض كل نزعة أصولية أو طائفية في تقييم
الثورة وفي الرؤية السياسية وفي الإعلام الخاص بالثورة. فالثورة ثورة الشعب
السوري، ومن الشعب، وهناك من كل طوائفه من ظل مع النظام ومن انتمى للثورة؛ وهذا
يقتضي اعتبار التنظيمات الجهادية
والأصولية تنظيمات ليست من الثورة بشيء، بل تنظيمات استغلت المناطق المحررة وثورة
الشعب، وتسلطت على الشعب بقوة السلاح والمال، وعملت وتعمل على إنهاء مفهوم الثورة
الشعبية والمحدد في إنهاء النظام وبناء دولة لكل السوريين وتسودها الحياة الأفضل اقتصادياً
وسياسياً وثقافياً، وهذا مما لا علاقة للأصوليين فيه.
رابعا،ً تسليط الضوء على الحياة اليومية لملايين
السوريين في الداخل، بدءاً بكوارث الحرب وعائلات الشهداء والفقر وأشكال الإذلال
التي يتعرض لها الشعب في المناطق المحررة وفي المناطق الموالية. ففي كلتا
المنطقتين أصبح وضع الناس كارثياً وهو ما يدفع الموالين للتململ كما يحصل وهو ما
يدفع حاضنة الثورة إلى عقد المصالحات مع النظام، والتخلي عن الثورة!
خامساً، كشف ملفات الفساد والإثراء الذي تمّ باسم
الثورة، ويقتضي ذلك تشكيل مجموعات قانونية أو مهتمة بذلك، ومهمتها متابعة هذه
القضايا والبحث عن إجراءات ثورية وقانونية للمتابعة والمحاكمة في الداخل والخارج.
سادساً، إنشاء شبكات من التواصل مع الحركات الثورية
والسياسية اليسارية والشعبية والمثقفين المؤيدين للثورة في العالم، وشرح قضية الثورة
ومشكلاتها، وإنهاء تمثيل الائتلاف للثورة، وإنهاء كل تبعية للدول الامبريالية والإقليمية،
وجعلها علاقات ندية، والبحث عن أشكال تفاعلية لطرح قضية الثورة عبر الإعلام على
اختلاف أشكاله.
سابعاً، التواصل مع الناشطين الذي أصبحوا مستقرين في
الخارج، وتحديد مهمات محددة بعينها لهم، وفي أي مجال من مجالات الحياة بما يخدم
إيصال أهداف الثورة إلى العالم. عدا بحث عودتهم إلى داخل البلاد.
هذه القضايا وسواها وتفريعاتها، تتطلب جهدا عالياً وإحساساً
مسؤولاً بكوارث ما يحصل في الداخل، حيث تُصفّى الثورة عبر سياسات غبية ينتهجها الائتلاف،
وعبر الجهاديات التي تواصل محاولتها تدمير الثورة وإنهاء كل مطمح سوري نحو العدالة
والمساواة والحرية.
الآن تتكثف الجهود لمحاربة داعش عالمياً، ويقع على
القوى السياسية والثورية للثورة، وبدلاً من الاندراج في استجداء أمريكا كما تفعل
المعارضة لضرب داعش إطلاق حملة إعلامية ضد النظام وجرائمه وضد كل أشكال الجهادية
وترتيب الأوضاع للعودة إلى الداخل.
بتحقق ذلك يصبح للسياسة قيمة وأهمية، ويمضي الزمن لمصلحة
الثورة، وليست على جثث الناس.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث