الرئيسية / رأي / الثورة على منظومة الكذب

الثورة على منظومة الكذب

ثائر الزعزوع

التقيت خلال الفترة الماضية عدداً لا بأس به من
“الإعلاميين” الذين لا أعرفهم، وغالبيتهم لا يعرفونني بطبيعة الحال، وهم
في معظمهم من الشباب، أحدهم ترك دراسة الحقوق، الآخر هجر مكتبه الهندسي، والثالث
كان طبيباً، وفضّل مهنة المتاعب على مهنته، والحقيقة أن غالبية هؤلاء الإعلاميين
الذين تشرفت بلقائهم ولدوا من رحم الثورة، وعملوا في الكثير من التجمعات الإعلامية
التي تشكلت، وانفرط عقدها بعد مرور بعض الوقت بسبب ضعف التمويل أحياناً، أو بسبب
الملاحقة الأمنية في أحيان أخرى، أو لأن تنظيماً متطرّفاً ضيّق عليهم حلمهم
الثوري، ففروا وجلسوا خلف شاشات كمبيوتراتهم المحمولة يترقبون أخبار الوطن الذي
ضاق عليهم كما ضاق علينا وعلى الكثير من الحالمين، أخبرني الدكتور أحمد وهو من ريف
حلب أنه لم يفكر يوماً بأن تتحول حياته هذا التحوُّل الغريب، وأن يطلق مهنته التي
كانت حلم عائلته بأكملها، فقد أغلق أبواب عيادة طب الأسنان، وحمل كاميرا صغيرة،
وبدأ يصوّر مقاطع الفيديو، قال لي إنه في البداية كان لديه شعور بالفرح حين يعلق
على أحد المقاطع، وحين يرى مقطعه ذاك وقد بثته إحدى القنوات الفضائية، أو قامت
بتناقله صفحات التواصل الاجتماعي، ثم تحول الأمر بالنسبة له إلى معركة يخوضها، فهو
جندي نذر نفسه لخدمة الثورة، أسّس مع مجموعة من الناشطين مكتباً إعلامياً
بإمكانيات بسيطة، وبدؤوا ينظّمون عملهم، ويحدّدون مهامهم، حتى تحول مكتبهم إلى
ناقل حصري لأخبار بعض مناطق الريف الحلبي، يستطرد الدكتور أحمد، كان حلم المغامرة
يكبر شيئاً، فشيئاً، أصدر بعض الناشطين صحيفة ودعوه للكتابة فيها، جرّب قلمه،
فنجح، كان يكتب عن مشاهداته خلال معارك التصوير، وصار أحمد يستخدم اسماً مستعاراً،
ونسي هو نفسه من يكون الدكتور أحمد، بل صار اسم صلاح أقرب إلى قلبه، كان العمل
متعباً وخطيراً، لكنه كان مهماً، كان يشعر بأنه يساهم بتحرير سوريا، أما الآن،
يتوقف أحمد أو صلاح عن الحديث، وتنتهي قصته عند هذه النقطة التي نتوقف نحن جميعاً
عندها، أما الآن، اختفى الناشطون الإعلاميون الذين ملأت أصواتهم فضاءنا خلال العامين
الأولَيْن من عمر الثورة، وربما ظهر ناشطون غيرهم، لكن الأمر تغيّر، يعلق المهندس
سامر وهو يصغي باهتمام لما قاله أحمد، نعم الأمر تغيّر، كنا نحسُّ أننا قادرون على
قيادة التغيير، ما الذي تعنيه شهادة الهندسة أمام صاروخ حاقد يهطل على منزل؟ ما
الذي يعنيه المعمار وسواه أمام هذا الخراب؟ بهذه اللغة العالية يتحدث سامر الذي
يشاطر صديقه أحمد ألمه، اجتمعا في المنفى على حلم العودة، لكن هذا الحلم بدأ يتسرّب
من بين أيديهما شيئاً فشيئاً، وإلى أين سيعودان؟ الوطن بات وطناً لغيرنا، أهلنا في
الداخل يطلبان منا أن نبتعد قدر المستطاع، يقول سامر إن أمه قالت له، حي بعيد عن
العين أفضل من ميت تحت التراب.

الكثير من الشباب نظروا إلى الثورة على أنها ليست خلاصاً
من الديكتاتورية المتعفنة فحسب، لكنها خلاصٌ أيضاً من حالة الركود التي كانت سوريا
قد وصلت إليها، وخاصة في المجال الإعلامي، فقد كنا نمرُّ بحقبة إعلامية كارثية بكل
المقاييس، وقد يكون من المجحف توصيف الحالة التي كانت سائدة في سوريا قبل الثورة
على أنها شيء شبيه بالإعلام من قريب أو بعيد، ولعل قارئاً عادياً للصحف اليومية
يستطيع بكل بساطة أن ينهال بالسباب والشتائم على من يقفون وراء تلك المساخر التي
كانت تحدث، كما تستطيع دراسة دقيقة أن تؤكد بالأرقام أن إعلام النظام المرئي كان
الأقل مشاهدة داخل الأراضي السورية، فقد كان السوريون جميعاً يهربون من إعلامهم “الوطني”
إلى أي إعلام آخر لبناني أو خليجي، أو مصري، لأن الإعلام “الوطني”،
واعذروني لاستخدام مفردة الوطني في توصيفه، كان إعلام عصور حجرية بامتياز، وقد
تهاوى بأكمله مع أول مظاهرة خرجت وسط دمشق منتصف شهر شباط فبراير عام 2011 وتداعى
جهابذته ليحللوا ويفسروا على هواهم إلى أن جاءتهم الأوامر العليا بأن يغلقوا
الموضوع إلى أن تتم فبركة القصة، وقد تولت جريدة الوطن عملية الفبركة، فأعدت
سيناريو، وقامت بتوليفه بطريقة درامية مشوقة، وأوصلته للقارئ الذي لم يقرأ ما
كتبته وطن رامي مخلوف في تلك الفترة، بل بحث عن الحقيقة على مواقع التواصل
الاجتماعي، هناك من صور كل ما حدث بكاميرا هاتفه المحمول، كان هذا الناشط هو أول
إشارة أن في سوريا شباباً قادرين على صناعة إعلام بديل قادر على تحطيم السور الذي
بناه حافظ أسد ومنظومته الأمنية، هنا بدأت سوريا تتحرر، بعد فترة ليست بالطويلة
بدأت المقاطع تتسرب من الحميدية، من درعا، من بانياس، من هناك في أقصى الشرق في
البوكمال، ومن القامشلي، ومن كل مكان، بدأ شباب سوريا يصنعون إعلامهم، ودخلوا مهنة
المتاعب من أكثر أبوابها مشقةً، فالويل لمن يُلقَى القبض عليه، تحول الهاتف
المحمول إلى سلاح فتاك، وتحولت الثورة على أيدي صحافييها الجدد إلى ثورة حية،
تنتقل قفزاً من مرحلة إلى مرحلة، عشرات الصفحات التي توثق كل شيء بالصورة والصوت،
استشهد العديد من الناشطين الإعلاميين، واعتقل المئات منهم، تحطمت آلاف الكاميرات
وأجهزة الهاتف المحمول، وصرنا نشهد ثورة إعلامية حقيقية، وإن كانت طرقها بدائية
إلا أنها استطاعت أن تخطو خطوات متعثرة إلى الأمام، وشكّل هذا الحشد الإعلامي
المغامر جيشاً رديفاً للثورة، واستطاع أن يكون صوتها. أما الآن فكل شيء قد تغير…
وللحديث بقية.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *