الرئيسية / تحقيقات / “بسطات” حلب.. وسيلة للرزق ومصدر ازعاج وفوضى

“بسطات” حلب.. وسيلة للرزق ومصدر ازعاج وفوضى

نسرين أنابلي

تجدها مفروشة على الأرصفة هنا
وهناك، مصفوفة بشكل منظم, وأحياناً كثيرة تجدها مبعثرة بشكل عشوائي. فئات مختلفة
من جميع الأجناس والأعمار، يأتون إليها من كل حدب وصوب ليختاروا منها وينتقوا أفضل
ما يعرض عليها، في وقت أصبحت الثياب الفخمة والمنتجات الأساسية المختلفة شيئاً
ثانوياً غاب عن سلم الأولويات وسط جنون الأسعار وتردي الأوضاع المعيشية للمواطنين
بسبب الأزمة، حتى يبدو للمتسوق أنه أصبح أمام سوق شعبي مفتوح على مصراعيه، لا يريد
شيئاً إلا ويجده مركوناً على قارعة الرصيف.

مصدر رزق جديد

وجد الكثير من الحلبيين في
“البسطات” باب رزق لا بأس به لضمان كفاف عيشهم وإعفائهم من الحاجة وسؤال
الناس، ولاسيما أصحاب المحلات التي دمرت بسبب الأزمة، الذين بدؤوا يشغلون الأرصفة
واضعين بسطات مختلفة لجذب المتسوقين.

فهذا علاء تصدح حنجرته ليلا
نهارا قائلاً: “أي قطعة بـ
200 ليرة ” للنداء على سلع بسطته من الملابس
المستعملة، فترى الناس يتهافتون من كل مكان تلبية لنداء فضولهم، فيكتفي بعضهم
بتقليب الثياب يمنة ويسرى تاركاً إياها بعد تردد وتمحيص كبيرين، ومنهم من يتمسك
بالقطعة التي انتقاها والابتسامة تعلو وجهه وكأنه حظي بصيد ثمين.

عبد الرزاق (36 عاماً) صاحب بسطة لبيع الملابس القديمة
(البالة) يقول: “فقدت مصدر رزقي بعد أن انهار محلي في سوق الخالدية، لذا لم
أجد أمامي من مخرج يقيني استعطاف الناس، إلا أن أكتفي بفرش قطعة قماش على الرصيف
أمام المنزل الذي استأجرته في منطقة النيّال وأبيع أحذية متنوعة وملابس
مستعملة”.

على الرغم من حصول (أمجد) على
شهادة جامعية في الاقتصاد لكنه فضل بيع الأحذية والحقائب التي نسقّها ورتبها على
قارعة الطريق بعد أن فقد الأمل في أن يحظى بفرصة عمل تناسب شهادته وقال: إن
“البيع على البسطة لا ينقص من مكانتي الاجتماعية أمام الناس، بل على العكس
أكسبني الكثير من الاحترام لدى كل من يعرفني لأنني أعمل بعرق جبيني ولا أمد يدي
لأحد”.

جشع أصحاب
المحلات

لم تُشبع محلات بعض التجار في
سوق التلل، المعروف بحلب جشعهم، فقاموا بافتراش الرصيف ووضع بسطات من بضاعتهم أمام
محلاتهم التي يعملون فيها لعرض ما يبيعونه وللفت الأنظار واستقطاب أكبر عدد ممكن
من المارة، وقد تجاوز البعض منهم هذا وهبط إلى الشارع في عملية احتلال للإسفلت،
الأمر الذي سبب إرباكاً وزحاماً للمارة وعائقاً أمام السيارات.

ولم يكتفِ سامر، صاحب محل،
بعرض بضاعته الموجودة في محله، بل قام بمد بسطة أمام محله لمنع أي شخص من إشغال
الرصيف المجاور لمحله، لأن إشغال الرصيف المجاور لمحله من قبل بعض البائعين يعوق
حركة الزبائن ودخولهم إلى محله، على حد قوله، فهو يرى أنه أولى بوضع بسطة لزيادة
أرباحه من هؤلاء الباعة.

البحث عن الأرخص

تترك أم أيمن، (55عاماً)، جميع المحلات الفارهة والمكيفة على الرغم من حالتها المادية
الجيدة وتتجه لشراء ملابس أطفالها من البسطات التي يجذبها ترتيبها وتنوعها.

أما سلمى (21 عاماً) الطالبة الجامعية، فإنها تشتري أغلب
ملابسها من البسطات، فهي ترى أنها أرخص ثمناً، وتبرر ذلك بأن شراء الملابس من
البسطات لا يبخسها قيمتها، على الرغم من أن الثياب فيها معرضة للغبار ولتلوث
السيارات والطرقات.

وترى عبير الشيخ، أن انتشار
البسطات ساهم في مساعدة الفقراء على شراء ما يلزمهم بأسعار تتناسب مع دخلهم
المحدود.

بسطات في كل شبر
من شوارع حلب

ظاهرة انتشار البسطات
بأنواعها في حلب، لم تعد تقتصر على أماكن توضّع المحال التجارية والأسواق والساحات
الرئيسة فحسب، بل امتدت هذه الظاهرة لتشمل الشوارع الرئيسة وبعض ساحات المناطق
العمرانية والتجمعات السكانية في المناطق الشعبية والراقية على حدٍ سواء، حيث راح
أصحاب البسطات يتفنن في إشغال المساحات بدءاً من الأرصفة وأجزاء من الشوارع وصولاً
إلى الأسوار وانتهاءً بالأشجار التي لم تسلم هي الأخرى من هؤلاء الباعة، فتحولت
بدورها إلى “واجهات لعرض الألبسة”، وتختلف الطرق في كيفية هذا الاستغلال
لكل مكان؛ فإما أن تنصب أعمدة خشبية أو معدنية أو توضع الشوادر فتتحول مع مرور
الوقت إلى محال نظامية تماماً مستعينين في ذلك بالتيار الكهربائي الذي تتم سرقته
من الأعمدة الكهربائية القريبة من الموقع لإنارة “المحل”، وأصبح من
الصعوبة بمكان على المواطنين السير بسهولة ويسر على الأرصفة وكذلك في الشوارع في
العديد من المناطق.

فإذا بدأنا بالأسواق الرئيسة، كساحة العزيزية
والتلل، فسيكون مجرد السير دون الاصطدام بأحد أمرا غريبا، وإذا ما انتقلنا إلى
مناطق الجميلية وسيف الدولة وغيرها، فسنجد الأمر عينه مع تقدم في أساليب عرض
السلع.

وإذا وصلنا إلى منطقة
الميدان، فستتميز بسطاتها ببائعي اليانصيب، وإذا ما تابعنا المسير إلى المناطق
الراقية، كحي الموكامبو، وبغض النظر عن المقاهي التي اقتطعت مساحات من الرصيف
وضمته إلى محلاتها، فمن المستحيل أن نكمل المشوار دون المرور ببائعي الدخان الذين
انتشروا كالنار في الهشيم، وكل ذلك وسط غياب أي رقابة في المدينة، التي تتكاثر
فيها هذه البسطات يوماً بعد يوم، متمخضة عن أزمات وعرقلة كبيرة في حركة سير المشاة
على الأرصفة، والسيارات على الطرقات.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *