الرئيسية / ترجمات / عمرو العظم: أستاذ جامعي سوري يكافح بصمت لإنقاذ تراث بلاده

عمرو العظم: أستاذ جامعي سوري يكافح بصمت لإنقاذ تراث بلاده

ترجمة :ديمة الغزي _السوري الجديد/

العنوان الاصلي:

موطئ قدم في بلاد الشام ….. عمرو العظم يكافح لإنقاذ تراث سوريا الثقافي المتصدع

يجلس عمرو العظم محني الظهر أمام جهاز كمبيوتر، متوسطاً أكواماً من الورق في غرفة المعيشة في منزله، وتظهر على الشاشة صور لقطع فسيفساء ملونة.

“هذا الرجل من أغبى ما يكون”، هذا ما غمغم به المؤرخ وعالم الآثار ذو الشعر الأبيض بلكنة لندنية، متخلياً لوهلة عن سلوك الأستاذ الجامعي المتفائل الذي تقمصه لمعظم ذاك اليوم.

تمت سرقة تلك القطع النفيسة التي تحمل مشاهد من العصرين الروماني والبيزنطي من أفاميا، المدينة الأثرية في سوريا والتي “تم تحويلها إلى جبنة سويسرية” (كناية عن الدمار الذي حل بها) بفعل عمليات النهب.

يعمل العظم من منزله الكائن في منطقة هادئة من جنوب شرق ولاية أوهايو، وهو عضو في شبكة تضم أكاديميين وعلماء آثار ونشطاء سوريين اجتمعوا للعمل على المحافظة على ماضٍ مهدد بالفناء بسبب اللصوص والمسلحين غير المعنيين بتراث الدولة التاريخي.

ويبدو أن اللص الذي يلاحقه العظم قد عثر على صيد ثمين هذه المرة، لكن العظم يشير إلى أن الرجل ليس بمكانة عقل مدبر، وأنه إنما عثر على هذا الكنز بالصدفة وأخذ “يكسر قطع الفسيفساء وينزعها من الأرض”. كما يبدو أنه من السهل خداعه، فالقطع معروضة للبيع قرب الحدود التركية، وسيستخدم العظم أو أحد عملائه على الأرض غالباً هوية مزورة متظاهراً بأنه مشترٍ على أمل متابعة مآل القطع الفنية، فحتى إن لم يتمكنوا من الحصول عليها، يمكنهم أن يوثقوا أين شوهدت آخر مرة وأين يمكن أن تذهب.

لكن اللصوص الصغار ما هم إلا أحد الأخطار التي تواجهها المواقع الأثرية في سوريا. فالدولة الإسلامية التي نصبت نفسها دولة خلافة قد حولت الأماكن التي حوت مظاهر العمارة والفن والآثار الدالة على الجمال والإنجازات الإنسانية إلى غبار وأنقاض، مما يهدد بترك فراغات لا يمكن إصلاحها في ما أسماه العظم “المصفوفة التاريخية”، حيث أن سوريا هي مربط الامبراطوريات والحضارات التي خلت مما يجعلها حجر الأساس في فهمنا للحياة عبر العصور.

وفي الأوقات التي لا ينشغل فيها داعش بتدمير التاريخ، يقوم باستغلال التراث الثقافي لسوريا في تمويل الأعمال الإرهابية ومغامرات بناء الدولة كما يقول العظم. ومع تفكك البنى التحتية للدولة وصعوبة حصول المواطن العادي على مصدر للدخل، وصلت السرقات إلى أعلى المستويات. وكل ما قامت به داعش هو تحويلها إلى عمل مؤسساتي عبر تأسيس منظومة ضريبية وإقامة المزادات بشكل دوري، وحتى إنشاء “قسم الأثريات” الخاص بها الذي يصدر الرخص ويؤجر الآلات من أجهزة الكشف عن المعادن إلى الحفارات.

وقال العظم إنهم “دمروا مناطق من العالم تربطني بها علاقة قريبة وخاصة جداً، لذا أشعر أن بعضاً مني قد نُسف”. وليس من المبالغة القول بأن تاريخ العالم مهدد فعلاً.

قبل أن يهرب عمرو العظم من سوريا قبل عقد من الزمن، كان يقود فريقاً للبحث عن قبر جنكيز خان، وشغل منصب رئيس مركز بحوث الآثار في جامعة دمشق، كما نقب في مواقع بصفته مدير مخابر العلوم والحفظ في مديرية الآثار في سوريا. إلا أن الضغط السياسي وإحباطه من النظام الديكتاتوري للرئيس بشار الأسد، وهو يصف علاقته بالحكومة بشيء من التهكم بأنها “غير صالحة للاستمرار”، قد دفعا به إلى الخروج من سوريا وانتهى به الأمر في أوهايو، حيث بنى مع زوجته و بناتهما المراهقات حياة جديدة. وفي الأوقات التي لا يكون فيها يعمل على حماية الكنوز الثقافية السورية من السرقات والتدمير، يقوم بتدريس التاريخ وعلم الإنسان في جامعة شوني في بورتسماوث في أوهايو، وكذلك في جامعة أوهايو هنا في أثينا.

من الواضح أن العظم يستمتع كثيراً بالمحادثة، وتزداد حماسته وسرعته في الحديث لدى اختياره للتعابير التي يستخدمها أو عندما يتذكر فجأة واحدة من القصص الكثيرة التي يود مشاركتها. تمتاز محاضراته بعامل ترفيهي إذ يقفز سريعاً بين الجد والمرح، ويضفي روح الدراما بمهارة رجل أمضى حياته يستقطب اهتمام الطلاب.

وبينما يبذل العظم ما بوسعه من منزله الواقع وسط هضاب الشجر في أوهايو وهو ينسق المعلومات والعمليات ويدرب العملاء على الأرض ويجمع رأس المال، إلا أنه يحرص على أن يبين أن الناس في سوريا هم من يقومون بالعمل الحقيقي، ومنهم كثيرون ممن كانوا زملاء وطلاباً سابقين عنده في علم الآثار. ويرفض وصفه بأنه “رئيس” هذه الشبكة، ويقول أنه ببساطة يتمتع بميزة القدرة على التحدث علناً دون أن يخاطر بحياته من أجل ذلك. إذ يقول “أنا لست بطل القصة” ملوحاً بإصبعه للتأكيد، “الأبطال هم الناس في الداخل، الرجال والنساء والنشطاء، والقائمون على المتاحف في داخل سوريا الذين يعملون بلا كلل للحفاظ على هذا التراث الثقافي.”

من يذهب إلى المناطق المتنازع عليها من أجل عمليات الحفظ يواجه أخطاراً مثل البراميل المتفجرة وغاز الكلور، أو الاعتقال والحبس. لكن الأخطار تتجاوز قوات النظام وداعش ومقاتلي الميليشيات، إذ يقول العظم “يمكن أن يكون اللصوص خطرين أيضاً، واحتمال قتلهم لك يوازي احتمال مقتلك من قبل المسلحين.”

ورغم أن زملاءه يرسلون المعلومات وينسقون مع السلطات الدولية، إلا أنهم لا يستطيعون اعتقال اللصوص بأنفسهم، وعن ذلك يقول العظم “نحن لا نلعب عسكر وحرامية. لا يمكننا ذلك، فهم ليسوا رجال شرطة.” وفي معظم الأحيان يكتفون بالتعرف على هوية السارق أوالتاجرالنصاب في المنطقة الذي يشتبه بشرائه لقطعة مسروقة، وآخر مكان تواجدوا فيه.

يبقى الكثير من العمل الذي يقوم به العظم مغلفاً بالسرية لأسباب أمنية واضحة، ويتضح ذلك في تكتمه عندما أضغط عليه للكشف عن بعض التفاصيل. لكن ثمة نصر عظيم تم إحرازه العام الماضي عندما عمل العظم مع عدد من المنظمات الفنية لإنقاذ متحف معرة النعمان للفسيفساء، وهو مبنى يحمل طابع البيت العربي بني في العصر العثماني عام 1595 وتم تحويله إلى متحف في الثمانينات من القرن الماضي، تعرض المبنى لدمار كبير من قذائف المدفعية والغارات الجوية، وكان السقف تحت خطر الانهيار مما جعل الخبراء المحليين يخشون خسارة التحف العظيمة بداخله، وأهمها قطع تعود للفترة ما بين القرنين الثالث والسادس الميلادي من المدن الميتة، وهي مجموعة من القرى المهجورة التي تشكل نافذة لنا على الحياة اليومية في الفترات المتأخرة من العصر البيزنطي والعصور ما قبل الوسطى.

وبعد شهور من التخطيط، بما فيها اجتماع تحضيري في تركيا قام خلاله العظم بتدريب المشاركين في تقنيات حفظ الأثريات، عمل نشطاء محليون وعلماء آثار وعمال المتحف على دعم المبنى المتهالك تحت خطر القصف وقذائف المدفعية، فقاموا بتغليف وتخبئة الكنوز المنقولة، وغطوا قطع الفسيفساء بمواد حافظة، ثم رفعوا أعمدة من أكياس الرمال على حيطان المتحف وتحت سقوفه، في تكتيك من شأنه أن يردع اللصوص حيث يصبح “التكسير والسرقة أصعب بكثير” كما يقول العظم، وأن يمتص الصدمات الناتجة عن القنابل.

ومنذ قيامهم بذلك وقعت معرة النعمان تحت القصف ثانية، لكن جهود دعم مبنى المتحف أثبتت نجاحها، إذ تأثرت بعض قطع الفسيفساء خارجه التي بقيت غير محمية بالانفجارات، لكن كل ما كان بالداخل بقي آمناً. إنه نصر صغير، لكنه نصر للمستقبل مع استمرار الحرب، واعتراف بأن النزاع سينتهي في يوم ما، وستظل سوريا بحاجة لتاريخها، وإن لم يعلم أحد متى سيكون ذاك اليوم.

بعد حوالي خمس سنوات على بدء الحرب الأهلية لا تلوح نهاية في الأفق. فقد انقسم القتال بين عدد هائل من الأطراف، كل منها له مصالحه السياسية والدينية والإقليمية. ومع تدبر الدول الكبرى في الخطوات القادمة على ضوء الأزمة السياسية والوضع الإنساني المزري، عدا عن الخطر العالمي المتزايد من داعش، يبقى مستقبل سوريا تحت علامة استفهام كبيرة.

يقول العظم أن الحلم بسوريا ما بعد الحرب، سواء جاء ذلك بعد عشرة أعوام، أو عشرين، أو خمسين هو ما يدفعه للعمل. وقال أنه مهما كانت النتائج، سيبحث الشعب الذي يحاول إعادة بناء دولة مدمرة عن رموز يتوحد خلفها. ويقول المنطق أن الحفاظ على تاريخ سوريا سيساعدها في إيجاد مستقبلها. وكما يقول العظم: “شعب بلا تاريخ هو شعب ضائع، وتاريخ بلا شعب لا معنى له ولا يمكن فهمه.”

ومع سيل المكالمات والرسائل التي تصله وما تحمله من صورٍ وتقارير ومراسلات، يمكن تلمس شعور الانفصال لدى العظم بين “هنا” و “هناك”، إذ ترك العظم وعائلته سوريا منذ تسع سنوات، أي قبل خمس سنوات من بدء الحرب الأهلية. ومع مرور الوقت ووقوع الدولة في فوضى أكبر، تلاشت آماله بالعودة إليها يوماً ما.

والآن من هذه المدينة النائمة في وسط الولايات المتحدة يمارس العظم عمله من على بعد آلاف الأميال، مع إحدى قدميه في بلاد الشام والأخرى في أوهايو، يصارع تعب العمل على مدار الساعة، إذ أن توقيت سوريا يسبق توقيت أوهايو بسبع ساعات، ويزعم أنه لا يحتاج قدراً كبيراً من النوم عادة.

ويقول العظم كما لو أنه أدرك لتوه “أنا في المنفى بشكل ما، بمعنى أنني لا يمكنني العودة إلى سوريا، على الأقل لوقت طويل جداً جداً.”

إنها فكرة قاتمة، لكنه يضحك إزاء كم الدراما فيها، “منفى”.. فهو غير متأكد من انطباق التعبير عليه. إذ هرب الملايين بعد نشوب الحرب، مخاطرين بحياتهم في رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر إلى أوروبا، ليستقروا في مخيمات مهترئة للاجئين، ويواجهوا عالماً حانقاً يشيح عن استيعاب مشاكل سوريا. كما نزح ملايين آخرون داخلياً معظمهم يفتقر للتعليم والأدوات المتاحة للعظم. وها هو هنا، يشتاق لأصدقائه الذين باتوا مبعثرين حول العالم، يسترجع ذكرياته بحفلات السفارة والرحلات الفجائية إلى بيروت عبر الحدود اللبنانية. يقول أنه يحب أوهايو، ولكن ما من بديل يمكن أن يحل محل جذور المرء.

وتلك الجذور موغلة في نفس العظم. فهو ينحدر من عائلة عربية أرستقراطية كان فيها من الباشوات العثمانيين والمسؤولين الذين حكموا مناطق في سوريا وليبيا ومصر. ووالده صادق جلال العظم الذي ناهز عمره الثمانين ومستقر حالياً في برلين، هو كاتب معروف تعرض للحبس من الحكومة اللبنانية بسبب آرائه السياسية. وهناك قصران يحملان اسم العائلة في سوريا وحدها، أحدهما في دمشق والآخر في حماة.

قد تكون السلطة والصدارة في تاريخ عائلة العظم، لكنه لا يبدي أياً من مظاهر ترف الحكم أو الفوقية، على الأقل ليس خلال تسامرنا عن الطعام والسياسة الأمريكية والتبضع في محلات البضائع المستعملة، أو خلال تجولنا في أثينا في سيارته العائلية المهترئة. لكنه يعترف بأن العلاقات العائلية تلعب دوراً كبيراً في تمسكه بإرث العائلة في المنطقة، ورفضه الابتعاد بنفسه عن سوريا.

ويذكر العظم حادثة خلال إحدى محادثاتنا على الهاتف ويقول “أذكر مشاهدتي لبعض المشاهد المروعة على التلفزيون، وفكرت بيوم تسألني فيه بناتي عما فعلته خلال الحرب الكبرى، فشعرت فجأة بموجة من العار تجتاحني، ماذا سأقول لهم؟ أنني تفرجت عليها من خلال التلفزيون؟ فاستدرت حينها نحو زوجتي الجالسة أمامي وقلت “لا أعلم ما سأفعل أو ماذا يمكنني أن أفعل، ولكني يجب أن أبدأ بعمل شيء ما لكي لا أخجل من نفسي.”

كان ذلك في عام 2011 عندما بدا النزاع في سوريا وكأنه ثورة أخرى في الربيع العربي تطيح بحكومات الحرس القديم في المنطقة. وكان ذلك قبل أزمة اللاجئين التي هزت أوروبا، وقبل أن تصبح سوريا معضلة الجميع، وبالطبع قبل أن تبدأ داعش في تفجير مواقع الآثار العالمية.

جلسنا في غرفة المعيشة الخاصة بالعظم، فيها الأثاث المعتاد: تلفزيون، جهاز لعب الفيديو (اكس بوكس)، رفوف رصت عليها مجموعات قصصية للشباب تابعة لبناته. وخلال تحضيره القهوة، أشار إلى لوحة رسمها فنان إيراني اشتراها من مالكها في ولاية يوتاه للمفارقة. وبعد استقرارنا في أماكننا، أراني صورة على هاتفه لـ “رخصة نهب” مختومة بختم داعش، وهي وثيقة تخول صاحبها نهب مواقع الآثار في سوريا كما شرح لي، وترجم المكتوب بقوله “يسمح للأخ فلان بالحفر في هذه القرية طالما أنه لا يؤذي المسلمين.” وبوجه يملؤه السخط مال إلى الخلف ليغوص في مقعده.

ومع الآثار الكبيرة التي لا يمكن بيعها مثل التماثيل النفيسة والنادرة، وجد داعش طريقة فعالة لجذب اهتمام الإعلام وإشعال غضب الأعداء: التخريب العام. فتدمير المجموعة المتعمد لمدينة تدمر الأثرية العام الماضي، ومن ضمنها معبدي بعل وبعلشمين، وهما موقعا تراث عالمي في اليونسكو ومن أهم المباني الأثرية على الأرض، أظهر إلى أي مدى يمكن لداعش أن يذهب.

كانت هذه المواقع أكثر من مجرد كومة من أوعية الفخار المتكسرة في موقع صحراوي منسي. فقد كان معبدا بعل وبعلشمين محفوظين بشكل كبير ومقدمين إلى أكبر إلهين للتدمريين. كانا صرحين كبيرين مزخرفين من الحجر يرمزان إلى عظمة ذلك التاريخ، ويشيران إلى حوالي ألفي عام من الأسرار المتراكمة. وعدا عن كونهما موقعا تراث عالمي، تعد تدمر رمزاً على الصعيد المحلي، فقد كانت امبراطورية عظيمة وهي رمز وطني لسوريا. وزنوبيا، تلك الملكة التدمرية التي غزت مصر، وثارت على روما، وقاتلت شخصياً في المعارك مع جندها، تظهر صورتها وسط أعمدة تدمر الشهيرة على ورقة العملة السورية من فئة 500 ليرة.

وقال العظم بنبرة حزينة “ما يحزنني حقاً هو أنني نشأت وأنا أرى أشياء معينة حفرت في ذاكرتي، مثل رؤية شروق الشمس على معبد بعل، وكيف تسلط الشمس أشعتها في وقت معين على النوافذ العليا للمعبد بزاوية محددة.” ويصمت لبرهة ليعطيني الفرصة لتخيل ذلك. “عندما تكون بداخله وما يزال المكان مظلماً، وفجأة يبدو وكأن أحدهم قد كبس زر الإضاءة، فينفجر المكان بالنور. إنه أمر لا يمكن وصفه، يجب أن تراه وتحسه وتختبره.”

ويتأسف على حقيقة أن بناته سيكبرن دون رؤية الضوء الباهر للفجر في تدمر، وبلا وطن أم، وبلا شعور بالخصوصية تجاه تراثهم الثقافي.

تقطع حديثنا نغمة هاتف العظم كل بضع دقائق لتنبهه إلى أمر استجد مع أحد معاونيه، فيرفع العظم أحد حاجبيه الرماديين ويناديني ليطلعني على آخر المستجدات أو الكنوز التي تم العثور عليها. ويقول بحماسة وهو يقلب بين الصور على هاتفه “سأطلعك على ما نحاول إنقاذه، مدينة حلب القديمة هي موقع تراث عالمي وتعرضت لقصف عنيف جداً. خطتنا هي العثور على تماثيل ومظاهر من المدينة يمكننا حمايتها.”

حلب التي يزعم البعض أنها أقدم مدينة مأهولة في العالم، أصبحت مركز قتال وحشي منذ بدء الحرب. وبصفتها أكبر مدينة في الشمال السوري تتمتع بموقع استراتيجي هام على طرق التجارة، تحتل حلب أهمية استراتيجية عظمى لكل الأطراف المتنازعة تقريباً. والمدينة القديمة فيها التي حافظت على مكانها منذ القرون الوسطى تعرضت للدمار جراء القصف من قبل المعارضة والنظام. والمجموعة التي يعمل معها العظم لهذه العملية تركز على إحدى بوابات المدينة التي تم بناؤها في القرن الثالث عشر من قبل أحد أحفاد صلاح الدين، تعرف بباب الحديد.

يقول العظم أنهم يريدون دعم المبنى بأكياس الرمل كما فعلوا في معرة النعمان، وأن يثبتوا الأجزاء المتهاوية من البوابة. لكن نوايا الفريق في حلب لا تنصب فقط على مجال المحافظة، بل هناك عامل دبلوماسي في الخطة أيضاً. يشرح العظم ذلك بقوله “إن نجحنا في العثور على شيء يقع في منطقة غير تابعة لأحد أو في مكان قريب منها، سيتطلب مني ذلك التحدث إلى جميع الأطراف لإقناعهم بتركنا نقوم بعملنا. وهكذا نكون قد فتحنا حواراً بطريقة ما، إذ أننا ندفع طرفين يقتلان بعضهما كل يوم ليتوقفا ربما لمدة يومين بينما نقوم نحن بالحفاظ على تلك الأماكن للمستقبل بغض النظر عن الطرف الرابح.”

لكن التفاوض لوقف إطلاق النار أمر جديد على العظم. وعندما تحدثت إليه بعد عدة أسابيع كان فريقه ما يزال يجمع الأموال ويدرس إمكانية القيام بتلك المهمة. ومع الأخذ بالاعتبار المجريات على الأرض في حلب، يعترف العظم أن عملية باب الحديد ستستغرق وقتاً طويلاً قبل أن يمكنهم البدء بها.

يبدو أن فكرة عمل التراث الثقافي كقوة موحدة بين الخطوط الطائفية والسياسية تصبغ عمل العظم بشكل عام، ففي وقت سابق وفي قسم الآثار التابع للأسد، حاول العظم من موقعه أن يكون قوة دافعة نحو الإصلاح وبناء الجسور بين الناس والنظام ومجتمع الفن والآثار العالمي. لم تنجح خططه تلك تماماً، حيث حولته مواقفه السياسية وأجندته الإصلاحية بالنهاية إلى شخص غير مرغوب به من قبل الحكومة بحسب قوله، وتم استجوابه عدة مرات مما اضطره لمغادرة البلد. لكن طموحاته في حلب تُظهر أن تلك المعاملة لم تؤثر فيه لحسن الحظ. وقال “لقد أضحت الهوة التي شقت المجتمع السوري كبيرة لدرجة يبدو ردمها غير ممكن، ولكن بالرغم من كل الاختلافات هناك البعض ضمن جميع الأطراف ممن يعتقدون أن هذا التراث الثقافي يستحق الإنقاذ.”

شاهد أيضاً

ما الذي جرى في “مخيم الفردان” في ريف إدلب وماهي تهمة الفرنسي “عمر أومسين ” هل يستسلم ؟؟

شهدت الساعات الماضية اشتباكات بين قوات الأمن السورية ومقاتلين فرنسيين بعد تطويق مخيمهم بشمال غرب …

بلجيكا تحتجز فتاة قاصر سورية لمدّة يومين في مطار بروكسل الدولي

صدى الشام احتجزت السلطات البلجيكية، فتاة سورية قاصر تبلغ من العمر 17 عامًا، بعد وصولها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *