محمد السلوم /
لا أعلم متى حدث ذلك على وجه التحديد، ولكنه حدث على أية حال، وما زال يترسخ أكثر فأكثر يومًا إثر آخر.
فالانتصار الذي ننتظر أن تحققه الثورة السورية منذ أكثر من خمس سنوات وقع بالفعل في لحظة مخاتلة، خدعتنا جميعاً ولم ننتبه لها، وما زلنا ننتظر قدومه!
مرجع الالتباس أن الثورة حققت انتصارها الخاص، ولم تحقق انتصارنا نحن! على كل حال هي أعلم بمصلحتنا!
فالثورة نجحت بما هي هدم ونبش وتعرية لكل الأسس الاجتماعية والفكرية والسياسية والدينية المستقرة، والراسخة في المجتمع وأبنائه.
فالمفكر الذي قرأنا بقداسة كتبه عن الوعي والتنوير والتحرر والثورة، بات مدعاة للسخرية والهزء وهو يعيش تحت ظل الدكتاتور أو يرقب الثورة بمنظار الحيادية المقيتة. وسيكون في وضع لايُحسد عليه إذا ما تنطع للحديث عن التحرر والثورة في محفل ما، وتصدى له شاب في مقتبل العمر، لم يقرأ له يوماً ولن يقرأ، قائلاً: اخرس! فقد أضعت إلى الأبد تلك اللحظة المفصلية التي كانت كفيلة بتحويلك من كائن ورقي، إلى مفكر إنساني عظيم!
أليس ذلك انتصاراً للثورة؟
والفنان الذي شكّل طوال سنواتٍ قدوة للشباب بأغانيه الوطنية أو مسلسلاته التي تحاكي هم الناس ووجعهم، لن ينجح أبداً بعد اليوم في شغل أي حيز من اهتمام الناس بعدما اختار التسبيح بحمد السلطان، لقد سقط! انتهت إلى غير رجعة نماذج القدوة السخيفة والسطحية التي تعبت أجهزة أمن النظام وإعلامه كثيراً لترسيخها نماذج تحتذى لجيل الشباب.
أليس ذلك انتصاراً للثورة؟
والمعارض الذي مذ وعينا على الدنيا ونحن نعرفه معارضاً شريفاً، متعالياً عن ذاته في سبيل وطنه وشعبه، هوى ليصبح كائناً قزماً يعتاش على دماء شعبه ويسرق أموال مساعداته، ويدخل في صراعات لاتنتهي حول مناصب صغيرة، ويبيع نفسه لشتى صنوف أجهزة المخابرات مقابل الحصول على قطعة من الكعكة/الوطن.
أليس ذلك انتصاراً للثورة؟
ورجل الدين الذي أحطناه بهالة من القداسة والنورانية، وفغرنا أفوهنا كالدراويش ونحن نستمع لأحاديثه عن ثورة أبي ذر وعدالة عمر وقصص لاتنتهي عن الحق ونصرة الأخ ظالماً ومظلوماً. سقط هو الآخر عندما روى حكاياته نفسها ليؤكد على ضلالنا وكفرنا وصوابية قتلنا. لقد خسر إلى الأبد مركزه السابق، وستكون عمامته المتكدسة فوق رأسه وذقنه التي تداعب حالبيه مدعاة للشفقة!
أليس ذلك انتصاراً للثورة؟
لا يمكن لمقال واحد أن يحصي انتصارات الثورة، ففي كل مايحيط بنا حققت الثورة انتصاراً؛ في جارك، في إخوتك، في الشرطي، في العسكري، في المنشق، في موظف الإغاثة، في الإعلامي، في الطبيب، في بائع المازوت، في التاجر، في حبيبتك، في أولادك، في نفسك قبل كل شيء… في كل ذلك حققت الثورة انتصارات مدهشة!
نعم، هي ليست الانتصارات التي أردناها، ولكنها الانتصارات التي أرادتها هي!
وهي أعلم بمصلحتنا!
تخيلوا فقط، لو أن النظام كان من الهشاشة بحيث يسقط في الشهر الأول من الثورة.
ويبقي المفكر منوِّراً
والفنان قدوة
والمعارض سامياً
ورجل الدين مقدساً
و….
يا إلهي! أي نصر هذا؟ أية خديعة كبرى وزيف كنا سنعيشه!
من رحمة الثورة بنا أنها لم تحقق انتصارنا الصغير، وآثرت تحقيق انتصاراتها الكبرى!
وما ثورة مصر ببعيدة!
أعلم أن الأمر مؤلم، ومفجع، أعلم أن كمّ العفن والسخام الذي كشفته انتصارات الثورة في نفوسنا مخيف ومفزع، ولكن ذلك أفضل!
فالطبيب الذي تعنيه سلامتك سيفجر لك الدمامل ويخرج قيحها قبل أن يضمّدها، أما ذاك الذي لايحفل بك فسيعطيك بعض المسكّنات ويوهمك بالشفاء، ليستمر القيح يعتمل في صدرك حتى يأكلك!
ما نعيشه اليوم هو سقوط حر، من أعلى قمم المجد الزائف الذي انتبجت به ذواتنا على مر العصور.
لاشيء يخفف سرعة سقوطنا، أو يقينا منه، وكلما تشبثنا بشيء اكتشفنا أنه محض وهم؛ العروبة، المقاومة، الأخلاق، الوعي الديني، التاريخ المجيد، الحضارة العظيمة، حقوق الإنسان، العالم المتمدن، قيم الغرب الحضارية،… كل ذلك خيط دخان!
ولكن مهلاً..
أهو سقوطنا نحن، أم سقوطهم هم؟
هو سقوطهم هم، الثورة تمحّصهم جميعاً، ومن تكشف زيفه وعدم صلاحيته للبناء عليه تنسفه، تحيله سراباً، ليصبح رقماً في قائمة انتصاراتها.
ستواصل الثورة تسجيل انتصاراتها، الواحد تلو الآخر، وكخبير محترف في تفجير الأبنية الضخمة ستلتهم أمجادنا المنتفخة زيفاً وكذباً، الواحد تلو الآخر، حتى نعي حالة الصفر المطلق الذي نعيشه، عند ذلك ستنتهي انتصارات الثورة، مفسحة لنا المجال للبدء بالعمل، وتحقيق انتصاراتنا!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث